مقهى الروضة الدمشقي يبدو كواحد من المعالم السياحية في العاصمة السورية، فهو رغم بساطته وتواضع خدماته فإنه يجمع الفنانين والمثقفين وأصحاب المعارف جنبا إلى جنب مع كبار السن والمتقاعدين والعاطلين والأميين ومحدودي الثقافة والتجربة.

هنا تختلط الوجوه وتتمازج الثقافات وتتعدد الآراء على الطاولات الرخامية التي تلتف حولها كراسي الخيزران.. تسمع حديثا صاخبا من هنا ونقاشا حادا من هناك وضحكات مدوية من مكان آخر وربما نزاعا على لعبة نرد أو ورق.

في قلب العاصمة السورية دمشق وقبالة برلمانها يقع المقهى الشهير الذي أنشئ في العام 1834 وكان المكان عبارة عن صالة سينما صيفية أو سينما في الهواء الطلق مضافا إليها مقهى صغير لخدمة رواد السينما، وفي العام 1948 تحول المكان كله إلى مقهى مازال قائما حتى اليوم.

ليس مستغربا في الروضة أن تجد عددا من المثقفين والكتاب السوريين قد التفوا حول طاولتهم في موعدهم الأسبوعي يتناقشون ويتحاورون وكأنهم يجلسون في إحدى الصالونات الأدبية. ومن الطبيعي أن تجد نجوم الدراما السورية يتجمهرون بكثرة على الطاولات حتى تظن أن المكان تحول إلى نقابة للفنانين، وقد يكون اعتياديا أن ترى المعلم عمر (عباس النوري) يدخل بصحبة أخيه خالد ( قيس الشيخ نجيب) في مشهد يعيد إلى الأذهان مسلسل ليالي الصالحية.

ومن الممكن أن تسمع هنا صوت جمال سليمان يجلجل وهو يسطر انتصاراته في لعبة طاولة الزهر مع ثلة من الأصدقاء والفنانين. وقد تقبض على فارس الحلو متلبسا وهو يمارس اللعبة ذاتها بينما يجلس المخرج حاتم علي بين المتفرجين وهو ينفث دخان سيجارته ولم يتخل عن تصرفاته الرزينة والمعتدلة.

في جانب آخر تجد العشرات من طلاب وطالبات المعهد العالي للفنون المسرحية وقد خصصوا مقهى الروضة كمركز رئيسي للتواجد فيه من دون موعد مسبق، فالكل هنا يعرفون بعضهم، وقد تمتنت صداقاتهم وتمكنت إلى حد الحميمية فالتصق الشباب بالفتيات في مشهد بعيد عن طبيعة المقهى وغير مألوف أمام رواده.

الزحف الأنثوي إلى مقهى الروضة يعتبر حديثا إلى حد ما، فقد كان مستهجنا في سنوات خلت أن تلقى النساء في هذا المكان الذكوري إلا أن الأمور اليوم باتت طبيعية وأكثر.

ويعزو صاحب المقهى المعروف بأبو علي كوزوريتش وهو ينحدر من أصل شركسي، هذا التوافد إلى توسع المكان وتحسن خدماته ويروي لـ «البيان» كيف أن المقهى كان منذ زمن بعيد بسيطا ومتواضعا فالأرض كانت رملية ولم تكن وسائل الراحة متوفرة كما هي الآن وهذا في رأيه ما دعا الشباب للتوافد على هذا المقهى.

ويضيف أبو علي سببا آخر إلى هذه الأسباب، ألا وهو توفر «أركيلة» المعسل في السنوات العشر الماضية وهي مفضلة من الشباب من الجنسين.

ولا يستغرب صاحب مقهى هذا التآلف الكبير الذي يجمع كل هذه الفئات المختلفة من شرائح المجتمع السوري، فالسبب كما يقول هو المكان الذي يعد استراتيجيا، إضافة إلى المحافظة على سوية الخدمات وتحسينها على مر الزمن.

وخلال ستة وثلاثين عاما هي المدة التي تسلم بها أبو علي زمام الأمور في مقهى الروضة، يبدو أن عددا من الأمور تغير لاسيما ما طرأ على توسعة المكان وتخصيص مساحة حديثة مختلفة في شكلها عن باقي أرجاء المقهى ومزودة بمكيف يقي من برد الشتاء ويحمي من حر الصيف.

إلا أن رواد الروضة كما يبدو يفضلون القطاع الشعبي والتراثي على الحداثة، لذلك فإن التمركز في المقهى يكون في معظمه في الوسط أمام (البحرة) وهي بركة صغيرة في المنتصف تشتهر بها البيوت الدمشقية القديمة.

لكن محافظة المقهى على هذا الجانب لم يوازها حفاظه على الأسعار فتكاليف الجلوس في الروضة قد توازي تكلفة التواجد في مطعم ثلاث نجوم، وهو شيء يثير حفيظة بعض الزبائن. لكن أبو علي يؤكد أن الأسعار مناسبة جدا بالمقارنة مع التكاليف التي تتكبدها الإدارة من يد عاملة وأسعار مواد أولية وضرائب وغيرها.

وفي الروضة تبدو الخيارات من المشروبات محدودة فالقهوة والشاي والزهورات والتمرهندي والمشروبات الغازية، هي كل ما تحويه القائمة إضافة إلى «الأركيلة» بنوعيها التنباك والمعسل.

يفتح مقهى الروضة أبوابه للزبائن منذ السابعة صباحا وحتى الثانية بعد منتصف الليل، ويقول صاحبه إن عدد الرواد بين الصيف والشتاء متساو مع أفضلية في الشتاء فالزبائن هنا من أهل البلد والتجمعات في هذا الفصل أكثر رسوخا لأسباب تتعلق بالاستقرار والسبات الشتوي.

دمشق ـ نائل العالم: