في خضم ما يشاع في العالم عن صراع الحضارات المترافق مع إصرار البعض على تأكيد استحالة تعايش الشعوب المختلفة أو الاستفادة من القيم الجمالية أو التراثية لبعضها البعض، أثبتت بعض التجارب في أوروبا بأن هذه المقولة ليست صحيحة بأي شكل من الأشكال، وأن الرأي العام الأوروبي يبدو مستعدا لاستيراد بعض تلك القيم الجمالية مثل الموسيقى والرقص والأدب حتى من العالم العربي الذي يبدو الأكثر ابتعادا عنه وفق ما يقول أنصار نظرية الصراع الحضاري.
ويعتبر الرقص الشرقي الظاهرة العربية أو الشرقية الأبرز في أوروبا والعالم الغربي عموما، حيث تمكن من اقتحام المجتمعات المذكورة بسهولة تامة نظرا لما يشكله من قيمة فنية وصحية كبيرة باتت تلقى قبولا حتى من الأطباء الأوروبيين الذين ينصحون بممارسته كنوع من الرياضة.
وقد شكّلت التغييرات التي شهدتها أوروبا الشرقية خلال الخمسة عشر عاما الماضية مناسبة لاستيراد الرقص الشرقي من قبل بعض السيدات اللواتي كنّ يعشن في الغرب أبان الحقبة الشيوعية وقررن العودة إلى أوطانهن الأصلية، فشهدت دول مثل تشيكيا وبولندا والمجر وسلوفاكيا نهضة كبيرة في مجال الرقص الشرقي لدرجة أن عدد النساء اللواتي ينخرطن في هذا النوع من »الفن الرياضي« وصل إلى بضعة آلاف.
والفريد في الأمر أن النساء اللواتي يتقنّ الرقص الشرقي ويقدّمن دروسا دورية فيه للراغبات، قرّرن تزيين أنفسهن بأسماء شرقية أو عربية غريبة أصلا عن مجتمعاتهن، فبتنا نسمع على سبيل المثال بالفنانة »عطية« أو »منى« أو »عايشة«.
»البيان« التقت في براغ مع بعض الفنانات اللواتي جعلن من الرقص الشرقي مهنة رئيسية وحتى هدفا حياتيا لبعضهنّ، حيث ان إحداهنّ وتدعى عطية كشفت بأنها تستعد لتحضير دبلوم جامعي عن الرقص الشرقي من وجهة نظر الأنتروبولوجيا (علم تطور الإنسان)، نظرا للمكانة البارزة التي بات يحتلها في نفسها حسب تعبيرها.
»عطية» نظّمت مؤخرا مهرجانا للرقص الشرقي في براغ شاركت فيه فنانات من تشيكيا وبريطانيا وتركيا والهند، وشهد إقبالا لا بأس به، وقد لاحظنا في هذا المهرجان أن التجاوب من قبل الجمهور التشيكي كان دافئا جدا لدرجة أنه كان يصفق ويتمايل على مقاعده كلّما شاهد أداء الراقصة على أنغام الموسيقى الشرقية الجميلة، وهذا أمر قلّما نراه في المجتمع التشيكي البعيد كليا عن المجتمع الشرقي.
وفي حديثها إلينا أشارت »عطية« إلى أن »الرقص الشرقي بات مرغوبا جدا في أوروبا الوسطى لأن النساء يتعاملن معه كنوع من الراحة والاستجمام وللابتعاد عن مشاكل المجتمع والعائلة وما شابه. كما أن بعضهنّ لا يخجلن باعتباره وسيلة لتحقيق الذات خصوصا إذا كنّ قد فشلن في حياتهن العملية أو الخاصة«.
وحيال هذا الواقع تشهد منطقة وسط أوروبا حاليا ازدحاما شديدا في عدد المدارس المتخصصة في تعليم الرقص الشرقي، كما أن هناك محاولات لإنجاز بعض الكتب التي تهدف لتقريب هذا النوع من الفن إلى سيدات المجتمع. ويتبين مما تذكره »عطية« وغيرها خلال الحوار معهن بأن أعداد الراغبات في تعلم الرقص الشرقي قابل للازدياد بأعداد كبيرة في المستقبل القريب، وأن هناك عطشا للالتقاء بفنانات من العالم العربي الغائبات كليا عن هذه المنطقة من العالم.
في ختام لقاء مع إحدى المتخصصات في الرقص الشرقي وهي في الأصل طالبة جامعية، استفسرتُ منها عن الوضع في العالم حاليا ارتباطا بما يشاع عن نظريات صموئيل هانتغتنون الخاصة بصراع الحضارات وإذا كانت تؤمن بها، فكان ردها عفويا ومباشرا في آن، قالت: »دعوا الناس يتعرفون إلى الثقافات والفنون الأخرى وسترون بأنهم سيتعايشون مع بعضهم البعض بكل محبة وسلام، فليذهب هانتغتون إلى الجحيم ومعه كل الذين ينظّرون ويطالبون بتفريق بني البشر بدلا من أن يحاولوا تقريبهم«.
براغ ـــ حسن عز الدين:
