بيوت تحولت إلى ركام مختلف الارتفاعات، أرض محروقة، أشلاء لبشر قتلى من مختلف الأعمار، حرائق، قذائف، ودخان.

إنها الحرب إحدى الكوارث البشرية التي تتنافس محطات التلفزة ووسائل الإعلام على اختلاف أنواعها على نقلها، وكما الحرب تعكس الصراع بين طرفين، تعكس التغطية الإعلامية وجهة نظر تؤيد أحد الطرفين، أو قد يدعون الحياد، أو يخفون بعض الحقائق، ويشكلون حقائق أخرى.

ولكن كيف ينظر الناس إلى ما يجري وكيف يشكلون وجهات نظرهم، وهل يثقون بعد جلوسهم الطويل أمام الشاشة الفضية بكل ما يقال، وأن ما يقال هو الحقيقة.

والحقيقة ألا ترتكز على معتقدات سابقة كان المشاهد قد صاغها من قراءاته ومن أحداث سابقة؟.

العدوان الأخير على لبنان يثير هذا التساؤل من جديد، ويحدد تأثير وسائل الإعلام على الرأي العام العربي منه قبل الغربي.

المصداقية على المحك

عمر غباش رئيس مجلس إدارة جمعية المسرحيين يؤكد: لا يمكن للناس أن تعتمد على ما تقرؤه في الصحف أو ما تشاهده على شاشات التلفزة، لابد للمشاهد أن ينوع مصادره ومعرفته على مستوى الأخبار، وجميع المواضيع الثقافية، والفنية والاقتصادية والسياسية.

وبالتالي بالنسبة للتلفزيونات أو الصحف لا ينبغي أن نعتمد عليها اعتماداً كلياً، فمن الممكن أن يكون وراءها أهداف أو أهواء معينة، وبالتالي تأتي المعلومات المطروحة من خلال هذا المصدر غير دقيقة، وينطبق هذا على الحرب الأخيرة على لبنان.

كنت أتابع أكثر من قناة من قنوات الأخبار العربية، وأتابع ما يكتب في الصحف وكذلك أتابع بعض القنوات الأجنبية، وأقارن بين هذه الأخبار وأحاول أن أصل إلى أقرب الإجابات الممكنة التي تطرح في بالي، وقد تكون بعض القنوات هولت الأشياء، وبعض القنوات قللت من إمكانيات المقاومة وبأنها لا تستطيع الصمود، وبالتالي لا يستطيع المرء أن يصدق كل ما يقال.

وبالنسبة لدور الإعلام في تشكيل الرأي العام يشير غباش: الإعلام سلاح خطير سواء أكان مقروءاً أو مسموعاً أو مرئياً، فهذا الإعلام لديه القدرة على توجيه الناس على موضوع ما وقد يوهمهم أن هناك قضية معينة تحدث في مكان ما، ممكن أن يصدقها الناس، ولكن الواعي والمثقف والمجرب ينوع مصادره قبل أن يصدق.

على سبيل المثال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكي رجلاً بأنه اعتدى عليه بالضرب ولأن المشتكي كان صوته عالياً «كما الآن الإعلام صوته عالٍ» لم يصدقه الرسول الكريم واستدعى الرجل الآخر ليتبن له بأن المشتكي هو المعتدي. فالإعلام الواسع الانتشار قادر على التضليل من خلال وسائله المختلفة، لكن إذا قرأ الإنسان ما بين السطور وحاول أن يحلل ما يجري يستطيع أن يصل إلى الحقيقة.

جابر الجابري رئيس قسم العلاقات الثقافية والثقافة الجماهيرية في وزارة الثقافة يقول: «عند مشاهدتي للأحداث التي تهز العالم، أعتمد على أكثر من جهة إخبارية، فلو بقيت على إحدى القنوات الإخبارية، أرى أنها لابد أن تقف لصالح جهة معينة في بعض الأحيان، أو أن مراسلها منحاز لبعض الأطراف على حساب طرف آخر، ولن ننسى كيف كان الجيش الإسرائيلي في عدوانه يمنع الصحافيين، ومراسلي وسائل الإعلام الأخرى من التواجد في أماكن الحدث، لأنه يريد أن يخبئ عن الرأي العام الكثير من الحقائق».

ويؤكد الجابري أن «كل جهة لديها مصداقية إلى حد معين، لأننا نعيش حالة من الحروب الإعلامية التي يفرض عليها الكثير من القيود، والمناطق التي قد تكون محرمة، ورجاحة الكفتين تبين لنا من على حق ومن على باطل، ومن القوي ومن الضعيف، وأعتقد أن الكثيرين يعرفها بعيداً عن أمور الحرب، والتغطيات الإعلامية، وتأتي قناعاتي هذه من واقع قراءاتي ودراستي، والدورات التي نلتحق بها، وكلها تجعلني أميز الحقائق، وأضع الاحتمالات التي قد تصيب أكثر مما تخيب».

ويرى حمدي البصيري قاص وباحث أن «مصداقية وسائل الإعلام كانت دوماً مهتزة لأسباب عديدة أهمها على الإطلاق أن الإعلام موجه، أي هناك سلطة ما وصية على هذا الإعلام توجهه لتحقيق أهداف وأغراض تضعها بشكل مسبق، أو تستثمره على نحو يخدم مصالحها».

لا يوجد إعلام غير موجه حتى بعض وسائل الإعلام التي نعتقد أنها غير موجهة، إذا دققنا النظر في من يقف خلفها سنجد بأنها موجهة بشكل غير مباشر، وما دام الإعلام موجهاً فالمصداقية على المحك، ولذلك يبدو لي أن القارئ أو المشاهد الفطن هو وحده الذي يستطيع جمع أشلاء الحقيقة من وسائل الإعلام وبالتالي فإن وعيه لمصالح الدول المتناقضة عامل هام في إدراكه لحقيقة ما يحدث.

وللتوضيح يقول البصيري: «يكفي أن نرى كيف تناولت وسائل الإعلام العدوان الأخير على لبنان، وعندما نضيق دائرة الخيار ونقارن بين محطتين إخباريتين على سبيل المثال نسأل هل قدمتا الحقيقة بتجرد وموضوعية، أم قدمتا لنا حقائق تخدم سياسة دولتيهما.

وهكذا يمكننا التعميم على كل وسائل الإعلام، وبناء عليه نخلص إلى حقيقة مؤداها المصداقية والموضوعية في تعاطي وسائل الإعلام مع ما يحدث نسبية، تشوبها المصالح المتناقضة للجهات التي تقف خلفها من حيث التمويل والتوزيع والوصاية».

اتجاهات إعلامية مختلفة

ويبتعد الباحث الدكتور فالح حنظل عن التغطيات وتداعياتها قائلاً:

الحقيقة معقدة وما حدث كان مباغتاً للجميع، وكان مفاجئاً ، وبالنسبة لي لا يمكن أن أعتمد على مراسل في تشكيل رأيي عن الحرب، حيث قال الله في كتابه العزيز «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة».

فالجيش يجب أن يعد لينتصر، أن يضرب ويكر ويفر، والبقاء في دائرة المعركة ليست من صالح من يدخل المعركة، ولكن ما حصل في النهاية كان شيئاً جيداً، رغم أن وسائل الإعلام أخفت ما جرى في إسرائيل، ورغم أن لبنان ضرب ضرباً لا إنسانياً، لكننا نرى الآن على شاشات التلفزة الانتقادات التي توجه للحكومة على أداء الجيش الإسرائيلي.

ويؤكد الدكتور حنظل «أن تدريباتي السابقة في بريطانيا علمتني أن أحلل أكثر مما أخذ المعلومة جاهزة، ولا توجد معركة مثل الثانية ولا حرب مثل الأخرى، وكل هذا بقدر ما نعده للعدو من قوة، بحيث يمكن أن ننتصر ونرغمه أن يستسلم وينكسر».

علي محمد خوري نائب مدير الإدارة والموارد البشرية في شركة أبوظبي للفنادق يقول: «الذي يمكن أن نقوله إن القنوات ووسائل الإعلام العربية تنقل الحقيقة قدر الإمكان، بعكس الكثير من القنوات ووسائل الإعلام الأجنبية التي كانت تغطي على جرائم العدو وتنقل الصورة بطريقة مغايرة للحقيقة، بينما وصلنا عن طريق إعلامنا العربي الحدث الأساسي حتى وإن لم يكن صادقاً مئة بالمئة، عندما يخفي أحداثاً، ويبرز أحداثاً أخرى».

عزت غطاس مستشار قانوني في شركة «أدما العاملة» يقول:

«التيارات والاتجاهات الإعلامية كما السياسية تبدو مختلفة الاتجاهات، وهناك تأثير وتركيز على الذي يتماشى مع توجهات بعض القنوات، وبعض المراسلين في مواقع الأحداث، بالمجمل كان هناك إمكانيات ضخمة قد سخرتها بعض المحطات الإخبارية تجعل المشاهد غير قادر على الابتعاد من أمام محطات التلفزة، فكل لحظة تحمل خبراً جديداً، وهذا ما جعل من الخبر يعالج بوثائقية، ليست بعيدة عن الحيادية وعن التكريس لاتجاه معين. وهذا ما يجعلنا نقرأ ما بين السطور للوصول إلى الكثير من الحقائق».

استطلاع: عبير يونس