ظهرت أول صيدلية في التاريخ عام 789 م في عهد الخليفة المنصور، ولم يكن في الحسبان أنها ستتحول بعد قرون إلى واجهة عرض مستحضرات التجميل وعلب الشامبو والكريمات وأقراص الحلوى،
وبلا مبالغة مكانا لعرض الأحذية و«الشباشب»، ومن هنا كان السؤال الملح: ما الذي أوصل الصيدلية إلى هذه الحال الأقرب إلى «سوبر ماركت» بعد أن كانت المكان الذي نهرع إليه بحثا عن الدواء الشافي لأمراضنا؟
لو تتبعنا تاريخ الصيدليات لوجدنا أن العرب قد اهتموا بأن يكون الهدف الأساس للصيدلية هو وجود الدواء قريبا من البشر، لذا فقد ألحقت صيدلية بكل بيمارستان وأنشئت صيدليات متنقلة مع الجيش في الحروب، وهكذا انتقلت فكرة الصيدلية إلى أوروبا بعد أكثر من خمسمائة عام مكرسة فكرة أن الصيدلية هي مكان بيع الأدوية،
لكن التطور والتوجه الاقتصادي في الحياة بدأ بتغيير فكرة الصيدلية ومحاولة إيجاد مداخيل أخرى للربح، حتى صار الدخول إلى الصيدلية يشبه الدخول إلى متجر متنوع، وفي المقابل أصبح بإمكان المرء أن يجد العديد من الأدوية والمسكنات والفيتامينات داخل الـ «سوبر ماركت»،
فما هو يا ترى سبب تبادل الأدوار هذا، وهل ينبغي أن نثق بما تعرضه الصيدلية من مواد تجميل غير طبية أو بما يعرضه الـ «سوبر ماركت» من أدوية؟ ترى الصيدلانية في دبي د. إليزابيث أن الوضع الحالي للصيدلية طبيعي
وتشرح ذلك قائلة: «صحيح نحن نعرض أشياء لا تدخل ضمن نطاق الأدوية لكننا نحاول اختيار الأشياء الصحية، فمثلا تحتوي الصيدلية لدينا أنواعا من الأحذية الطبية التي تناسب بعض الناس، وكثير من المستحضرات غير الطبية التي نعرضها هي من نوعيات جيدة خاصة أن بعض شركات التجميل تقدم حسما خاصا للصيدليات، ولذا فإن مثل هذه المواد تمثل دخلا إضافيا للصيدلية».
من ناحية أخرى تعارض د. إليزابيث وجود الأدوية في الـ «سوبر ماركت» وتقول: «الناس تأخذها بدون التعرف على الأعراض الجانبية لبعضها وليس من اختصاص البائع معرفة مضارها، وبعض الأشخاص يشتري الفيتامينات معتقدا أنه يستطيع تناولها في جميع الحالات بدون أية مشكلات».
د. جوش وجي يرى انه من المناسب وجود مواد أخرى للبيع ليتحقق دخل مناسب للصيدلية ويقول: «أحيانا نجد الطلب على أدوات التجميل ومستحضرات البشرة أكثر من الأدوية لأن الناس يستخدمونها يوميا بينما يقتصر الدواء على الحالات المرضية،
ودورنا في البيع ايجابي حيث نقترح على الزبون ما نرى أنه مناسب لبشرته أو ما يحتاجه من فيتامينات أو مقويات». ويقول الدكتور شابير أحمد خان: «اختيار المواد غير الطبية في الصيدلية مسؤولية الصيدلي،
ونحن نختار ما نشعر أن الناس تطلبه باستمرار، وفي الوقت نفسه وجود الصيدلية بالقرب من عيادات الأطباء يجعل بيعها للدواء أكثر من المواد التجميلية والأشياء الأخرى، لكن هذا لا يمنع وجود مواد العناية بالأطفال وكريمات البشرة والماكياج لأنها تلاقي إقبالا كبيرا من الزبائن».
د. منصور سليل يعيد وجود مستحضرات التجميل بكثرة في الصيدليات إلى «شبه اقتصار زبائن الصيدليات على النساء فيكون الطلب على هذه المستحضرات كبيرا، ومما يسهل الأمر أن هناك شركات تطلب عرض منتجاتها ولا تتقاضى نسبة إلا بعد البيع،
وهذا يوفر دخلا إضافيا للصيدلية بدون خسائر، وهكذا تغير حال الصيدلية وأصبحت مكانا للعرض ولم يعد يقتصر عملها على توفير الدواء للناس». الدكتور محمد إقبال يؤكد على دور الصيدلي
ويقول: «على الصيدلي تقديم النصيحة المناسبة للناس، ومهمته مقتصرة لم تعد على تقديم الدواء حسب الوصفة الطبية إذ لابد من أن يتقن فن البيع لأن الصيدلية إذا لم تحقق أرباحا مناسبة ستتعرض للإغلاق».
وعلى الرغم من أن الصيدليات أصبحت تعرض مواد غير طبية فإن ثقة الناس بالصيدلاني ما زالت كما هي حيث يقول عبد الله الموسوي: «لا بد أن نلجأ إلى الصيدلية للحصول على الأدوية لأنها المكان الأكثر أمانا في توفير الدواء المناسب،
ولكن لا مانع من أخذ الأشياء البسيطة والآمنة من الـ «سوبر ماركت» ولابد أن هناك قوانين دقيقة أباحت وجود مثل تلك المواد فيها». ويقول محمد ذياب: «لا آخذ من الـ »سوبر ماركت» سوى مسكن الصداع،
لكن الأدوية لا بد أن تكون من الصيدلية ولا مانع من وجود المواد التجميلية أو الكمالية فيها، ولو كنت أحتاج حذاء طبيا سأجد من المناسب أن أشتريه من الصيدلية، فالثقة بها أكبر من الأماكن الأخرى».
ويرى معن الفضلي أن «ما يحتاجه الجسم من أدوية أو فيتامينات مكانه الصيدلية، ويفضل كذلك الحصول على الكريمات من الصيدلية للاستفادة من نصيحة الصيدلاني وتوجيهاته». ويقول سلطان فيروز: «أصبحت الصيدليات في كل مكان تبيع مواد غير طبية، ففي أميركا نجد أقساما متنوعة في الصيدلية لمستحضرات التجميل وغيرها،
ونحن نلجأ إلى الصيدلية للحصول على الدواء، لكني بصراحة عندما أصاب بصداع أهرع إلى أقرب «سوبرماركت» لأشتري المسكن لأنني لست مستعدا لتحمل الازدحام في دبي للحصول على مسكن آلام هو موجود في أي محل غير الصيدلية».
والسيدات يفضلن اللجوء إلى الصيدلية للشراء والحصول على النصائح لكن تبقى الماركات العالمية لمواد التجميل ذات أهمية قصوى حيث تقول شمة سالم: «أفضل شراء جميع الأدوية من الصيدلية، ولأني اشتري مستحضرات التجميل من الماركات العالمية
فإنني أرى انه ليس كل ما يعرض في الصيدلية مناسبا لنا خاصة أننا نجد هناك ماركات غير معروفة وغير طبية، فلماذا نشتري ما لا نعرف ونترك ما نجد أنه يناسب بشرتنا في أماكن البيع الخاصة بها؟».
وتشاركها في الرأي إليزا سلطان التي تقول: «من النادر أن أستخدم الأدوية أو حتى مواد التجميل ولكن إذا أردت أن أشتري مستحضرا للبشرة أختار الماركات العالمية التي توفر خيارات مناسبة لبشرتي، ولا أفكر في شرائها من الصيدلية».
وترى المحامية شذى العباسي أن «الصيدلية مكان متخصص يمكن أن يستفيد الإنسان فيه من خبرة الصيدلي حبث يجد ما يحتاجه من دواء أو حتى مستحضرات العناية بالبشرة والمواد التجميلية»، ولهذا فهي تفضل الذهاب إلى الصيدلية بدلا من الأماكن الأخرى.
دبي ـ دلال جويد
