رسم الجلاليف (جمع جلاف وهو صانع السفن) الأوائل حروف الإبداع الأولى على السفن الخشبية مبكرا فاستحقوا أن يكونوا في مصاف المبدعين الأوائل. ويستكشف المتتبع لمسيرة هؤلاء المبدعين كوامن الجمال والدقة في أعمالهم التي تلهث روحها وراء الأصالة.

على وقع الضربات المتتالية من يد المواطن محمد خميس بوهارون، ووسط قطع الخشب الصغيرة المتناثرة، وبينما ينهمك بتفاصيل الزوايا والانحناءات على متن اللوح الممدد أمامه، يتذكر زمن الغوص الجميل وصناعة السفن الخشبية الشراعية

التي استخدمت في رحلات الغوص بحثا عن اللؤلؤ وصيد الأسماك والتبادل التجاري، حيث كان الناس يتنقلون بها من بلد إلى بلد عبر البحار والمحيطات، ولم يبق لهذا النوع من السفن أثر سوى مجسمات تصنع للزينة لربط الماضي بالحاضر.

استراح بوهارون برهة من الزمن واستطرد قائلا وهو يجفف جبهته من العرق: «لا بأس إذا كانت هذه المجسمات تحيي التراث الشعبي المحلي وتبقيها في الذاكرة الشعبية حية للأجيال القادمة، وتحافظ على مكتسباتنا من هذا التراث العريق والذي تجاهد العديد من الدول للحفاظ عليه وعدم انقراضه أو اندثاره وسط هذه الحياة العصرية،

التي سحبت البساط دون رجعة من تحت أقدام العديد من الصناعات والحرف التي لا تزال تجد من يبحث عنها ويستخدمها.وأكد بوهارون أن مبيعاته من هذه النماذج تتراوح بين 500 وألف مجسم في السنة، مقدرا قيمة مبيعاته بـ 300 ألف درهم سنوياً.

وأوضح أن من العملاء الذين يعتز بهم الدواوين والوزارات والسفارات العربية والأجنبية بالدولة والمؤسسات الرسمية والشخصيات الإماراتية والعربية التي تبتاعها لاقتنائها أو إهدائها للأصدقاء داخل الدولة وخارجها، وكذلك السياح الأجانب الذين يشترونها إعجابا بها وتجسيدا لذكرى زيارتهم إلى الدولة، مشيرا إلى انه زود متحف القوات المسلحة بمختلف مجسمات السفن الخشبية.

وعن مشواره مع هذه الحرفة قال محمد خميس بوهارون: هذه الحرفة بالنسبة لي ليست وليدة اللحظة بل هي مشوار طويل عمره أكثر من 55 عاما بدأته منذ الصغر، عندما كان والدي يعمل بها وكنت أراقبه دائما واشعر بميل في نفسي لتعلمها وممارستها كمهنة إلى أن توفاه الله عام 1959 فورثتها عنه،

ومازلت أمارسها والآن والحمد لله أمتلك مصنعا لصناعة السفن في أبوظبي وورشة لصناعة مجسمات السفن. وأضاف قائلاً: «نحن نقوم بصنع مجسمات دقيقة للسفن الإماراتية القديمة مثل البوم والجالبوت والصمعا والسمبوك والشاحوف والبقارة والشوعي والبتيل»،

مشيراً إلى أن الأخشاب التي تصنع بها هذه المجسمات هي نفسها التي تصنع منها السفن الحقيقية، وعادة يكون خشب الساج (يلفظ الساي بالعامية) ويستورد من الهند وتنزانيا وبورما.من جانبه أكد هاشم الدبل الرئيس التنفيذي لشركة دبي للعقارات أن تصنيع السفن التقليدية حرفة أصيلة ستزدهر قريبا في الإمارات.

وأشار إلى أنه تم تخصيص منطقة لبناء السفن الشراعية التقليدية ضمن مشروع «قرية الثقافة» الذي أطلقته الشركة أخيراً لتكون مركزاعالميا يعيد إحياء صناعة السفن الشراعية التقليدية على خور دبي. وكشف الدبل عن أنه سيتم تطوير مشروع «قرية الثقافة» على ضفاف خور دبي بالقرب من جسر القرهود على مساحة 40 مليون قدم مربع بتكلفة 50 مليار درهم إماراتي.

وعن جدوى هذا المشروع قال الدبل: «ندرك أن انحسار صناعة المراكب الشراعية يمثل تهديدا بفقدان تراث عريق، لذلك ستعمل قرية الثقافة على إعادة إحياء هذا التراث من جديد وإعطائه المكانة التي يستحق كجزء أساسي من البنية الثقافية للإمارات والمنطقة بشكل عام».

(وام)