أذكر كلمات لزميل مصور رافقني في مهمة تغطية تشييع احد أمراء الحرب الأهلية في لبنان قضى بانفجار مزق جسده..بعدما تأمل النعش همس لي قائلاً: «يمهل ولا يهمل. هذا الرجل أرسل سيارة مفخخة قتلت فيها أمي قبل 15 عاما. كنت طفلاً أخذوني باعتباري كبير إخوتي لأتعرف إلى الجثة».

تابع قائلاً: «لم استطع أن انظر إلى وجه أمي وقد تهشم. أشرت برأسي بأنها هي ولكن عيني كانتا مغمضتين، خفت أن أسجل في ذاكرتي تلك الصورة السوداء. لكن صورتي أمام ما بقي من والدتي احتلت الصفحات الأولى في الصحف المحلية والعربية».

هكذا تتحول المآسي إلى حدث تتنافس على توثيقه عدسات المصورين حول العالم. لا يدرك أصحاب تلك الصور أنهم أبطال، فإما أن يكونوا قد قضوا في الحدث ذاته، أو أنهم يمرون في مرحلة تتجاوز الانفعال العادي إلى الهذيان ربما أو فقدان الإحساس.

ومما لا شك فيه أن الحروب بالدرجة الأولى، تليها الكوارث الطبيعية من مجاعات وهزات أرضية بما تحمل من مآس، تشكل أرضية خصبة لعمل المصورين حول العالم، وفرصة غنية لالتقاط أفضل الصور وارشقها وأكثرها تعبيراً.

وتشير لائحة الفائزين ب«جائزة أفضل صورة صحافية في العالم» منذ انطلاقها في العام 1955 إلى تفوق الصور التي تزخر بالمشاعر الإنسانية على غيرها، حيث تكاد عند التحديق بها تسمع صراخاً أو أنيناً وحتى صمت القبور، وترى في عيون أصحابها وحركة أجسادهم وتعابير وجوههم قصصا مخيفة.

وقد شكلت الأعمال العسكرية في الشرق الأوسط مصدرا غنيا لآلاف الصور، بعضها فاز عن إحدى الفئات الفرعية التي تضمها المسابقة وهي «الصورة الحديثة» و«أخبار عامة» و«أحداث رياضية» و«تحقيقات رياضية» و« قصص معاصرة» و«حياة يومية» و«فنون وترفيه» و«طبيعة» و«صور شخصية».

فمن لا يذكر صورة ذلك المسعف الذي كاد يختنق من شدة الصراخ والانفعال أما رجل يلفظ أنفاسه وسط سيارات تحترق اثر الانفجار الذي استهدف رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري، هذه الصورة استحق عليها المصور في وكالة «رويترز» محمد عزاقير الجائزة الأولى عن فئة «صورة حديثة» ضمن جائزة أفضل صورة صحافية لعام 2006.

كما انه من أصل 48 صورة فائزة بجائزة أفضل صورة صحافية من بين كل الفئات منذ انطلاق الجائزة وحتى اليوم، لم تتمكن أي صورة من فئات «الطبيعة» أو «الفنون والترفيه» أو «الرياضة» بشقيها من الفوز بالجائزة الأولى.

وفازت عام 1976 صورة للمصور في وكالة «غاما» فرانسوا دمولدي من حرب «القوات اللبنانية» ضد مخيم تل الزعتر خلال سنوات الحرب الأهلية في لبنان بالجائزة الأولى. وبعد ست سنوات فاز المصور الأميركي روبن مايور بجائزة أفضل صورة التقطها لمجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان عام 1982. وعام 1991 فازت صورة توثق لهلع القوات الأميركية في حرب الخليج .

ونالت صورة للكندي لاري ماغنوم الجائزة الأولى وهي لثلاثة أولاد فلسطينيين يلهون بمسدسات مزيفة في غزة. وعادت صور الساحة العراقية لتحل مرة ثانية المراتب الأولى، ولكن ليس بصورة للمجازر والسيارات المفخخة التي تحصد عشرات الضحايا يوميا، بل بصورة رجل وضع رأسه في كيس اسود في سجن تحرسه شمس حارقة، يحتضن طفله الصغير بين ذراعيه، التقطها جان مارك بوجو لل «أسوشيتد برس».

أما في لبنان، فقد أخرج الحقد الإسرائيلي مؤخرا مئات اللقطات المأساوية التي حملتها الصحف والمجلات في كل العالم، كصورة ذلك المسعف الذي رفع مذهولا أشلاء طفلة انتشلها ميتة من تحت الركام تتدلى من عنقها «لهايتها»، فيما «صورة» صراخ الطفلة هدى غالية ما زال يدوي في شاطئ غزة في فلسطين حتى اليوم .

في أكتوبر المقبل تبدأ المؤسسات الصحافية والمصورون حول العالم إرسال الصور للمشاركة في مسابقة «جائزة أفضل صورة صحافية في العالم» لعام 2007 ومقرها هولندا، فهل ستكون صور مآسي حروب الشرق الأوسط في طليعة صور الفائزين؟.

دبي ـ كارول ياغي