الخبر جاء صغيراً ومقتصداً في عدد كلماته،وحمل عنواناً لافتاً »الهند تحظر محطات التلفزيون العربية«، وقرأنا ما بين السطور ما نسب إلى وزارة الإعلام الهندية بأن »القرار جاء نتيجة للعلاقات الوثيقة والودية مع إسرائيل والولايات المتحدة«.
فوجئنا بالخبر ولكننا لم نستغربه، وكان لابد لنا من المتابعة الإعلامية البحتة للاطلاع على قراءة بعض أهل الإعلام في هذا النبأ، وحينما تحدثنا إلى الإعلامي محمد يوسف رئيس جمعية الصحافيين في الإمارات، أخبرنا أنه يقيم الآن في لندن لإنهاء بعض الأعمال المستعجلة، وقال إنه يتابع أقنية البث العربي من لندن من دون أي منع، ولكنه علق على خطوة الهند الرسمية بأنه »حدث غير مسبوق«، مؤكدا: أن المعروف عن الهند هو مساندتها لقضايانا العربية ولكن ما الذي تغير؟.
ويضيف يوسف في حديثه الهاتفي لـ »البيان«: يبدو أن الهند تأثرت بصفقات تبادل السلاح مع إسرائيل والتحالف النووي مع الولايات المتحدة الأميركية وبالتالي صارت تميل لهاتين الدولتين مؤثرة علاقة المصلحة على الروابط التاريخية التي تربطها بالعرب، وعلى العموم أتمنى أن تقوم جامعة الدول العربية باستقصاء الأمر ومتابعة ما يحدث لأن خسارة الهند والموقف الرسمي الهندي ليس في مصلحة العرب،
وأظن أن قرار المنع الهندي هو بحق نظام خاص بالاتصالات «الكيبل« الرسمي الذي تبثه كل الدول إلى البيوت، وباعتقادي أنه بإمكان الشعب الهندي أن يتابع ما يجري في لبنان عبر البث المفتوح الذي تتلقاه الأطباق العادية والمنتشرة بكثرة. وختم يوسف قائلا: »لكن بغض النظر عن الجانب التقني فإن الموقف الرسمي الهندي يصب في الجانب الآخر حيث لا نحب ولا نريد، وحيث يجب أن يجري البحث فيه لخطورته على علاقاتنا النوعية مع الهند«.
لماذا الهند بالذات تجاهنا نحن؟
سؤال يستغربه الإعلامي الدكتور فيصل القاسم صاحب»الاتجاه المعاكس«.. يصمت قليلا ليتابع قائلا: »الخبر مزعج بكل معنى الكلمة ولكنه في الوقت نفسه غير مستغرب على الإطلاق في ظل ما صار يقال عن السماوات المفتوحة، وهي الكذبة الكبيرة التي نعيشها لحظة بلحظة، فكلما سمعت عن تقدم في مجال التقنية الإعلامية صرت أقول الله يستر مع علمي المسبق أن أميركا وإسرائيل هما المستفيدتان من كل تطور تقني لأنه يصب في مصلحتهما، ولذلك تراهما تغرقان العالم بكل أشكال القصف الإعلامي حيث لا تريان مشكلة في خرق مجتمعاتنا بالمحطات الإباحية«.
ويتساءل: »ألا يستطيع المرء في عصر السماوات المفتوحة أن يشاهد خمسة في المئة مما يحدث من نازية في العراق؟ ولصالح من هذا التعتيم المنقطع النظير في لبنان ؟ لا شك أنه لصالح الأميركان والإسرائيليين فقط، وأرى أنهم تعلموا من درس فيتنام لأن الإعلام وحده هو ما فضحهم أمام شعوبهم وجعلهم يخسرون هناك، تحديدا بعد أن عرف الشعب الأميركي الخسائر الكثيرة التي تجري بحق من كانوا يرسلون بهم إلى قدرهم المحتوم، والقرار الهندي يصب في نفس الإطار التعتيمي العام«.
الصحافية والباحثة عائشة سلطان رأت أن»ما قامت به الهند هو استمرارا لحالة الضعف العربي التي جعلت الأمم تستسهلنا وتستضعفنا، والعرب الذين خسروا ويخسرون كل يوم علاقاتهم المهمة مع العالم لا شك سيفقدون بعض دول أميركا اللاتينية وغيرها من الدول صاحبة القرار العالمي«. وأضافت قائلة :»أستغرب أن تقوم دولة مثل الهند فيها أعرق ديمقراطية في العالم بهذا الأمر الذي يصب لصالح التعتيم الإعلامي الذي ترعاه أميركا خدمة لإسرائيل،
وهذا يعود إلى ضعف العرب وعدم نشاطهم، بالأمس القريب قرأت ما يشير إلى تجنيد خمسة آلاف طالب إسرائيلي كي يقوموا ببث أخبار تحسن من صورة إسرائيل عبر الانترنت، وتحكي عن الهجوم الذي تتعرض له إسرائيل ضمن حدودها بهجمات من اللبنانيين والفلسطينيين؟ أي إلى قلب الحقائق كما يجري عادة، وهذا يشير بحال من الأحوال إلى أن إسرائيل تشتغل على نفسها لتحسين صورتها في الخارج، في حين ماذا فعلنا نحن وكيف ندافع عن عقيدتنا وإسلامنا وحقوقنا؟ السؤال لا يحتاج إلى تعليق طويل والإجابة متضمنة فيه وحسبي الله ونعم الوكيل«.
ولا يتوقف ضيوفنا عند هذا الحد بل تطرقوا إلى ما يحدث عربيا على الصعيد الإعلامي، وهم رأوا أنه قبل أن نحاسب الآخرين يجب أن نحاسب أنفسنا، ففي حين يشير يوسف إلى أن»العديد من أقنية البث العربية الرسمية والخاصة لم تبادر إلى بث ما يشاهده العالم عن صور الدمار وبث عملية العدوان الغاشم الذي يحدث بحق بلد عربي وبحق أشقاء عرب، عبرت سلطان عن دهشتها لمشاهدة»مواطن عربي عبر الـ »بي بي سي« يطلب عدم عرض صور القتل والدمار، وتخفيف البث لما يجري داخل لبنان خوفا على المشاعر العامة«.
أما القاسم فيخلص إلى أن»طريقة التعامل التي نرتضي بها من قبل الآخرين تظهر بما لا يدع مجالا للشك بأننا غير مسؤولين ولسنا أصحاب مبادرة أو قرار، وغير قادرين على توظيف الإعلام كسلاح خاص وكبير في زمن السلم والحرب.. فكيف نطالب الهند وغيرها باحترامنا إذا كنا غير قادرين على احترام أنفسنا«.
تحقيق – جمال آدم:
