حي البساتين في القاهرة تاريخه يحمل دلالته ولكن حاضره شيء آخر، التاريخ العريق لهذا المكان انه اكتسب اسمه حين كان أشبه بواحة كبيرة ومنتزه تملؤه الحدائق عن آخره، وكان مثل القلب النابض لمصر القديمة، يأتيه الباحثون عن الجمال من كل مكان ليجدوا فيه ضالتهم.

والآن اختلف الأمر ولم يعد الحي اسما على مسمى، وإنما تحول إلى مكان قاحل أشبه بالصحراء، وصار فقط حدائق وبساتين لأموات المصريين بعد أن أصبح مكانا مختارا لمقابرهم. مدينة الحياة والموت حي البساتين من الأحياء السكنية الكبرى يتميز بالهدوء، وحين تدخله ليلاً يلفت انتباهك هذا الهدوء الذي يحيلك إلى رائحة الموت المعبق بهذا المكان،

أما نهاراً فالأمر يختلف حيث الحركة الدؤوبة التي لا تمل في الشوارع والبيوت، حياة يبعثها خروج الناس لطلب الرزق والبحث عن سبل العيش، وهكذا يتحول هذا المكان الذي كان يقبع تحت سطوة الهدوء وقشعريرة الموت إلى مكان يعج بالضجيج والحياة، ومزيج غريب من البشر قنعوا بالمعيشة إلى جانب الأموات، وصار لكل منهم عالمه الخاص الذي لا يتعداه إلى عالم الآخر، إنها مدينة البساتين بين الحياة والموت.

وعلى خلاف الكثير من الشعوب، يسعد المصريون ويفضلون قضاء أعيادهم في المقابر، بين موتاهم يجلسون يتذكرون أوقاتا مرت، ويترحمون على أقارب لهم، كانوا اصدقاء أو أحباباً أو ذوي قربى، ويخرج الناس إلى المقابر حاملين ما استطاعوا حمله من طعام وفاكهة أو كعك،

ويبذلون ما في وسعهم من صدقة رحمة لموتاهم، وكأن هذا الخروج لإدراكهم أن موتاهم في ذلك اليوم لن يستطيعوا لبس الملابس الجديدة التي يعدها ويجهزها الناس ليوم العيد، ولن يستطيعوا الفسحة وتنسم الهواء. إن علاقة الناس بالمقابر في مصر علاقة في حد ذاتها لا تستطيع تفسيرها أو أن تتأكد من معرفة فحواها، فرغم هذا التناقض بين الضدين نجد أن أغلب المقابر تتوسط البيوت،

وحتى المدن التي أقيمت المقابر على أطرافها أصبحت الآن بفعل الازدحام تتوسطها، وهاهو حي البساتين مثال يؤكد ما نصبو إليه، فقديماً كان الفراعنة يقومون بتحنيط موتاهم ثم يقومون بإرسالها حيث البر الغربي الذي كان يرادف عندهم الحياة الأخرى والتي تحرم عليهم إلا بطريقة واحدة وهي الدخول في عداد الموتى . والملاحظ في الفترة الأخيرة في المقابر هو دخول مجال الاستثمار عليها

فنجد ما يسمى بالمقابر الاستثمارية والتي يتم طرحها عن طريق إعلانات في الجرائد وتعرض من خلالها خدمات الحصول على مقابر مناسبة لراحة الفقيد واسم العائلة، وقد يصل سعر المقبرة إلى 50 ألف جنيه نقداً أو بالتقسيط، وساحة المدفن تبدأ من 20 مترا مربعا وقد تصل في بعض الأحيان إلى 200 مترمربع حسب قدرة البعض .

وهذه المقابر يتم تزيينها من الداخل بأنواع الرخام من الالباستر والسيراميك إضافة إلى الآيات القرآنية المكتوب عليها بماء الذهب، وقد يتم تشييد هذه المقابر على شكل فيلات صغيرة يحيط بها سور كبير من الخارج مبني بالطوب الحراري المنيع وبوابة حديدية، إلى جانب أنه تتم زراعة المنطقة حول هذه المقبرة بأنواع مختلفة من الورود والأشجار الصغيرة التي تتناسب معها..

والملفت للنظر أيضا أنه في هذا الحي لم تقتصر إقامة البعض على أرجاء الحي بل تتعداه إلى سكني المقابر ذاتها، فحين تدخل هذه المقابر سوف ترى هذه الحياة التي احتلت المقابر وأخذت من قدسيتها ستاراً لوجودها، إنها البساتين ذاك الخليط بين الأموات والأحياء... بين أزمان مرت وأزمان تجيء.

القاهرة ـ «البيان»