استخدم الكيان الإسرائيلي منذ ولادته، الصور السينمائية لتشويه صورة العرب وتكريس صورة اليهودي المعتدي عليه، من جانب ألمانيا النازية، التي عقدت صورتها في السينما الإسرائيلية مع صورة العربي عنوة، وفي إدعاء يخدم المشروع العقائدي الإسرائيلي، الذي يبرر عدوانه على أرض الغير وحقوقهم الإنسانية الطبيعية بشتى الوسائل المتاحة والمستنبطة في الإعلام والسياسة والفن والثقافة. فمن المهم تشويه صورة «العدو» الذي اخترعوه لأنفسهم من دون سبب، سوى أنهم اختاروا أرضه ليقيموا «وطنهم» عليها.
إذاً انها الغاية تبرر الوسيلة في عقلية الدولة الإسرائيلية وسلوكها العام، من دون التوقف لهنيهة أمام منطق التفكير الطبيعي الواضح، حول أن أي دولة أو وطن لا يمكن ان يقوم ويستمر على الكذب والخداع ومآسي الآخرين، والحقد عليهم، وسحقهم، وارتكاب أبشع أنواع القتل والتعذيب في حقهم، بأشكال تساوت إلى حد بعيد مع ما ارتكبته النازية والفاشية في حق اليهود وسواهم، الذين لا شك وأنهم قاسوا الأمرين من تلك المرحلة البائسة في تاريخ البشرية، التي أكسبت على ما يبدو الضحية اليهودية أخلاق الجلاد، مضافاً إليها زيادات في التفنن في سلخ جلود وذاكرة الفلسطينيين خاصة والعربي عامة.
صورة مؤلفة ومؤدلجة
ما ان شكلت وحدات الجيش الإسرائيلي في أربعينات القرن الماضي من العصابات الصهيونية وميلشياتها، حتى أنشئت وحدة خاصة للسينمائي هذا الجيش، مهمتها الرئيسية الاتصال بكل يهودي سينمائي في العالم للعمل في هذه الوحدة، على أن يستدعي هؤلاء كل من يساند أو يتعاطف مع اليهود في فلسطين، إضافة إلى التعاقد مع مخرجين عالميين وشركات إنتاجية هوليودية.
في سبيل تعزيز صورة العربي «الإرهابي» الذي يشكل وجوده بالنسبة لليهود امتدادا للنازية والفاشية في أوروبا فمن الصورة الأولى لأفلام أنتجت في أميركا وأوروبا في بدايات القرن العشرين عن قصص «توراتية» بنت الحركة الصهيونية مشهدها الاول لسينما قادمة حول الشعب التائه في صحراء سيناء وعن «شمشون» البطل اليهودي الأسطوري الخير الذي توقعه «دليلة» الفلسطينية في «حبائلها» وتقص شعره ويفقد قوته الأسطورية وتسلمه إلى ملك «غزة» الذي يربطه إلى طاحونة كبيرة وما يلبث ان يدمرها كما يفعل الجيش الإسرائيلي منذ اكثر من نصف قرن وحتى اللحظة بهذه المدينة الصامدة بوجه آلية وحشية إسرائيلية أبشع من الوحشية النازية بكثير.
والمثير ان هذه الأفلام التي أنتجتها الحركة الصهيونية بالتعاقد مع شركات ضخمة آنذاك عرض بعضها في الدول العربية في القاهرة وبيروت وعمان والدار البيضاء ودمشق وحلب وسواها من مدن العرب من دون الاكتراث إلى ما تحمله هذه الأعمال الدعائية من تحريض على طرد الفلسطينيين من أرضهم وإحلال شعب «تائه» في بلدان المعمورة كلها مكانهم.
بناء على هذا التوجه حضر إلى إسرائيل بين أربعينات وخمسينات القرن العشرين مجموعة من المخرجين اليهود وغيرهم الذين زودوا بالتوجهات وبالقصص والسيناريوهات التي يجب إنتاجها للسينما وابرز هؤلاء سيل ديمبل الذي اخرج «شمشون ودليلة» وحيبو اوكس الذي قدم «ارض الفراعنة» وكانك تيدور الذي اخرج (ملكة سبأ وسليمان )و(استير والملك)
وفي العام 1948 اخرج الانجليزي اليهودي ثورلود دكنسني اول فيلم ربط العرب الحركة النازية تحت عنوان «التلة 24 صامتة» عن مقاتل مصري يصرح بدوره في الجيش الألماني النازي وحقده على اليهود والمخرج نوار صيب عراقي يهودي قدم «لا وطن» ولاري زارش اخرج «عامود الملح» وقدم مناحيم غولان فيلميه «القاهرة 64» و«ثمانية يلحقون بواحد» وهو مخصص للأطفال، عن ألماني ينتحل صفة أستاذ جامعي يهودي يتجسس على إسرائيل لحساب العرب.
طبعاً، هذا جزء من كم يقدر بعشرات الأفلام التي تجاوزت الخمسين أنتجتها إسرائيل مباشرة إضافة إلى عشرين فيلماً تسجيلياً عن الحياة والأرض الفلسطينية، منها: «مياه إسرائيل»، و«البناء في صحارى فلسطين»، و«مرفأ إيلات»، و«الصناعات في إسرائيل»، و«الفلسطينيون العرب في إسرائيل»، وهو فيلم يصور أوضاعهم على أنها أفضل من السكان العرب في الدول العربية.
إضافة إلى أفلام منتجة في هوليود وأوروبا لمخرجين كبار خدمت الحركة الصهيونية بشكل مباشر أو غير مباشر مثل: «توبي أور نت توبي» أي (نكون أو لا نكون) إخراج أرنست لوبيتش، وايليا كازان قدم ثلاثة أفلام متلاحقة هي: «الحائط الخفي»، «تماسك النار»، «اتفاق الاسياد»، عن معاداة السامية في الولايات المتحدة، و«والدي» من أعمال إدوارد ساذرلاند عن امرأة كاثوليكية تتزوج من يهودي بالسر بعد أن تهيم به.
و«اللحن اليهودي» إخراج جوزف سيدني، و«اتجاهي إلى الجانب الشرقي» إخراج سيدني غولدن، وأفلام أخرى تجاوزت الـ 200 فيلم صنعت في أوروبا وأميركا، وفي أغلبها إنتاجات مشتركة، خدمت بمجملها التوجه الصهيوني في منتصف القرن الماضي، من دون أن ننسى الأفلام الهوليوودية الحديثة ومنذ أكثر من خمسين سنة، وهي تواظب على تشويه صورة العربي والمسلم، حتى كدنا لا نميز بين صورنا الأصلية وصور الوحوش مع أننا منذ أكثر من نصف قرن، ونحن قابعون في العجز عن الفن والحياة، وكضحايا على الدوام لم نكتسب أخلاق الجلاد الصهيوني كما فعل هو باكتسابه أخلاق الجلاد النازي.
أفلام إسرائيلية تناقض الصهيونية
برز منذ عقدين من الزمن على التوالي أسماء عدة لمخرجين إسرائيليين يناقضون السياسات الإسرائيلية، ويصوِّرون الواقع كما هو على حقيقته منهم آفي مغربي المخرج الذي يتعرض لانتقادات كثيرة داخل الكيان الإسرائيلي، وهو قدم أكثر من عشرة أفلام وثائقية وتسجيلية آخرها «من أجل إحدى عيني» الذي ينتقد من خلاله الأساطير اليهودية وتزوير التاريخ واحتلال الأراضي العربية في فلسطين.
وإلى جانب آفي مغربي تأتي المخرجة الأميركية الإسرائيلية جانين هالبرغ التي لم تتورع أن تقول: «إن اليهود الذين نكبوا في التاريخ، اليوم يقومون بصناعة نكبة أخرى لشعب يعيش معهم على أرض واحدة». وهالبرغ ألفت كتاباً عن أفلام إسرائيلية حديثة مختلفة عن النظرة التقليدية إلى الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء،
الكتاب الذي وصفه المفكر والناقد العربي جورج طرابيشي بالكتاب اللؤلؤة داعياً العرب إلى ألا يكونوا شموليين في نظرتهم إلى كل من يسكن دولة إسرائيل أو إلى كل اليهود، وهذا قول حق يُراد به حق، فإن خسر الفلسطيني أو العربي نظرته الناضجة إلى الآخر يكون قد خسر إنسانيته، التي لا يعوِّضها أي شيء مادي على الإطلاق. هذه ليست نظرة تسامحية سطحية ساذجة بقدر ما هي إشارة إلى المحافظة على صورة الإنسان فينا والبحث عنها عند الآخر، وتشجيعها لنعيد إلى الحياة رونقاً وجمالاً مطلوبين لذاته في «عجقة» العنف الذي نعيشه.
مهرجان ادنبرة يرفض فيلماً إسرائيلياً
رفض مهرجان ادنبرة السينمائي الدولي في اسكتلندا عرض فيلم "خمسة أيام " لمخرج الإسرائيلي يوف شامير ، عن حياة المستوطنين الإسرائيليين في مستوطنات غزة قبل انسحابهم منها ، نتيجة قرار الحكومة بالانسحاب الكامل من المدنينة الفلسطينية .
واعتبر المخرج الإسرائيلي أن هذا القرار يٌعتبر خطورة قاسية بحق السينما الإسرائيلية ، علما أن هذا المخرج عٌرف عنه تورطه بنظرة صهيونية إلى موضوع المستوطنات على أراض فلسطينية . وهو من الذين طالبوا إلى جانب جماعات صهيونية متطرفة بطرد العرب من كل أنحاء أرض فلسطين التاريخية.
دبي ـ حسين قطايا:
