لا تزال الفضائيات العربية والأجنبية تنقل صور المذابح والمجازر التي تقوم بها طائرات وبوارج ودبابات إسرائيل على الأراضي الفلسطينية واللبنانية، خاصة تلك المذابح في قانا وصور التي راح ضحيتها عدد كبير من الأطفال الأبرياء. وربما من استشهد ودفن تحت الأنقاض لم يعد بإمكانه أن يتحدث عن الماسأة ويصف بشاعة الغدر الإسرائيلي على كل ماهو حجر وشجر وبشر، ومن كتب له الحياة في المرة الأولى لم تكتب له الحياة في غارة أخرى، ومن تحدث بالأمس عن المذبحة غاب عنا اليوم، لأنه بالتأكيد أصبح نازحاً في مكان ما أو سار في درب الشهداء.
هذه بعض الصور التي عرضتها الفضائيات لأطفال لم يكن لهم ذنب سوى أنهم ينتمون الى بلد عربي هو لبنان، آثار همجية الآلة الإسرائيلية على وجوههم، والحروق تغطي أجسادهم، لايهم نوع السلاح.. قنابل ذكية او صواريخ أميركية، المهم هنا ان الأطفال والنساء والمسنين هم الذين تنتقم منهم إسرائيل، هذه أيضا بعض حكايات من سلم من الموت، ولم يسلم من الإصابة او التهجير، حكايات تناقلتها معظم الفضائيات تجسد هول الماسأة وبشاعة الانتقام.
بطولة زينب
حكاية زينب ابنة (18) ربيعا من «مروحين» فقدت كل عائلتها ، عندما تلقى أهالي مروحين إنذاراً بإخلاء البلدة وذهب معظمهم الى مقر الأمم المتحدة الذي رفض جنوده استقبالهم، كان وضعهم صعباً للغاية، وكانوا في قافلة أطفال ومسنين ونساء، والقصف ينهمر من حولهم وعادوا الى الضيعة وذهبوا الى «أم التوت» ، كان صراخ الأطفال يدفعهم لتدبّر المخرج من هذه المشكلة، فذهبوا باتجاه البياضة و شمع، فما الذي جرى؟
هذه حكاية زينب التي نجت من الموت وهي مصابة في بطنها وقدمها ويدها،وقد وصفت الحكاية وهي تبكي على إحدى الفضائيات قائلة: عند وصولنا إلى منطقة بين شمع والبياضة، تعطّلت السيارة ، توقفنا ثواني معدودة ثم نزل والدي لإصلاحها في الوقت الذي كانت القذائف تنهمر علينا، حاولت الهرب لكن البارجة كانت تقصفنا وشاهدتها بعيني وسقطت قذيفة علينا، وعدت ثانية للمكان الذي فيه والدي لأقول له إنهم يقصفوننا فوجدته غارقاً في دمه وقد مات،
كما وجدت أبناء أخي وعددهم خمسة وأختي وزوجة أخي وزوجة خالي وابنيها، وجدتهم كلهم أشلاء ممزقة ومحترقين، من الجانب الآخر سمعت صراخ بعضهم وأنين البعض الآخر، ماذا أفعل لقد ماتوا جميعهم، كنا 28 فرداً مات منّا في هذه المجزرة 23 شخصاً من عائلتين، ومعظمهم من عائلتي، رحت أستغيث ولا مَن يجيب او يسمعني، وحتى من لم يمت بقصف البارجة جاءت الطائرات الإسرائيلية،
وأغارت على القافلة من جديد، ألقت الطائرات قنابل فيها مسامير وشظايا، فأُصبت في بطني ويدي وساقي سالت الدماء مني، لكني حاولت الهرب رغم إصابتي، وجدت ابنة أخي وتُدعى لارا، وعمرها لا يتعدى السنوات الأربع، وجدتها أمام أمها التي تحوّلت الى جثة محترقة، وكانت الطفلة تبكي لا بل تصرخ، كما وجدت ابنة خالي وعمرها ثماني سنوات على قيد الحياة فأمسكت بهما وسحبتهما معي لأكثر من 150 متراً،
وظننت أن كل شيء سوف ينتهي ونموت ايضاً، لأن أصوات القذائف كانت تلاحقني، تمكّنا من السير الى ان شاهدت قافلة من السيارات قادمة باتجاهنا وتودّ إكمال طريقها باتجاه المجزرة، وقفت وسط الطريق وأوقفتهم ورحت أتوسّل إليهم أن يرجعوا، لأن إسرائيل قتلت كل عائلتي وأشقائي وأبناء أشقائي، ثم راحت زينب تبكي بصمت، اما الموقف البطولي لها هو إنقاذها 115 شخصاً من أهالي مروحين كانوا على متن قافلة واحدة، وتمنّت عليهم العودة وعدم إكمال الطريق.
حكاية اخرى من مستشفى بيروت الحكومي الذي يعج بالأطفال والنساء ظهروا وهم يسألون عن ذويهم ومعظمهم لا يعلم مصيرهم، يسألون ولكنهم ولا يعرفون أن غيابهم سببه رحيلهم الأبدي، وظهرت من بينهم الطفلة فاطمة خليل وعمرها «12 سنة»، بجسدها الصغير المحروق و بصوت مبحوح كانت تقول: أنا وعائلتي من قرية بليدا، كنا في الملجأ وسط البلدة برفقة خالتي وأولادها وقصفنا الطيران الإسرائيلي، وعندما قيل لها بماذا تفكرين الآن؟ ردت: «أفكر بجسدي المحروق وبوالدي الذي بترت قدماه، كان والدي يصر على ان يحمينا في الملجأ، لكنهم قصفونا جميعا فيه»، وكانت طفلة صغيرة بجوارها تقول «ماما ليش عملت إسرائيل فينا هيك؟».
أما حكاية فاطمة شهاب وابتسام كساب فهي من اغرب الحكايات، لقد وضعتا مولودين وهما تحت عبء النزوح، فاطمة وضعت مولودها في مستشفى صور وأسمته حسن، وكانت لما تزل في المستشفى عندما اضطرت للنزوح، اما ابتسام فقد أحست بآلام المخاض وجرى نقلها الى مستشفى الزهراء لتلد مولودتها، ثم عادت الى الملجأ، في اليوم الثاني أطلقت ابتسام على مولودتها اسم «وعد الصادق» تيمنا باسم عملية حزب الله لأسر الجنديين الإسرائيليين قبل بدء العدوان.
الطفلة مريم حمادة «6سنوات» من منطقة مارون الراس اختبأت مع أهلها في منزلهم في بلدة مارون الراس عندما وصلت دبابة إسرائيلية الى جوار المنزل وبدأت بإطلاق قذائفها، تكومت العائلة على بعضها خوفا، لكن الرصاصات اخترقت يد مريم وقدم شقيقتها، فصرخ أفراد العائلة طالبين النجدة،
عندها دخلت القوات الإسرائيلية المقتحمة المنزل وأخرجتهم منه وتمركزت فيه كانت إصابة مريم أكبر من إصابة شقيقتها فطلب الوالد من القوة المقتحمة نقل ابنته الى المستشفى، لكنها رفضت ولم يسمح له بنقل ابنته الا في مساء اليوم التالي، نقل والد مريم ابنته بسيارته الى مستشفى صلاح غندور في بنت جبيل، لكن السيارة تعطلت عند مدخل البلدة، فحملها سيرا حتى المستشفى.
جنين ابن يوم واحد
زينب( 4 سنوات) وحسين علي جواد( 6 سنوات)، تركا قريتهما عيتا الشعب مع أمهما في الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي، ولجآ الى بلدة رميش المجاورة، بعد مرور أسبوع على العدوان انقطعت المواد الغذائية في البلدة، فقررت بعض العائلات اللاجئة الى رميش الخروج منها، عبر السير خلف سيارتين تابعتين للصليب الأحمر، وصولاً الى بلدة تبنين، كانت السيارة التي تقل زينب وحسين مع والدتهما متجهة الى تبنين لجهة بلدة صديقين عندما أغارت عليهم الطائرات الإسرائيلية، استشهدت شقيقتا والدتهما ، اللتان كانتا معهما في السيارة، وأصيبت زينب في كتفها.
أطفال يتحدثون بصوت ضعيف، بصوت مبحوح، عن طائرات تحلق فوق رؤوسهم، لا تترك لهم مجالا، حتى للنزوح تلحق بهم إلى كل مكان في الملاجئ بل وحتى الطرقات، سوف يروى الكثير عن طرقات استقوت عليها الوحوش الطائرة فحولتها الى مصيدة بشرية.
طفلة اسمها دينا وحكاية أخرى، دينا حملت حياتها وابتسامتها ومشت على قدميها الصغيرتين من بلدتها عيترون إلى تبنين، مشت تتحدى هدير الطائرات وشبح الموت، بعدما أمضت أسبوعاً في ملجأ «مهنية عيترون» تنتظر وعوداً لم تفِ بها أيّ من المنظمات الإنسانية والدولية،
وعدوها بإخراجها من جحيم التدمير والقتل، والذي أنقذها هو التعلق بالحياة وإرادة العيش، عشرة كيلومترات قطعتها دينا بين الركام والجثث الملتصقة بالطرقات، قطعت هذه الكيلومترات وهي تقرأ آيات قرآنيّة وتذرف بصمت دموع الخوف حتى وصلت إلى مستشفى تبنين الحكومي، دينا تعرف أن بلدتها قد دُمّرت، لكنها لا تعرف السبب.
تسعة أشهر أمضاها جنين في بطن أمه سوسن تاج الدين، ويوم واحد في حضنها ثم انتقل ليستقرّ في تابوت خشبي صغير في مقبرة جماعية داخل قطعة أرض في صور، اجتمعت عائلة الشهيد ابن اليوم الواحد، وهو من بلدة حناويه، حول التابوت الصغير، كان هناك أيضا أكثر من مئتي شخص فقدوا أولادهم وأقرباءهم قد التموّا لوداع 36 ضحية أخرى دفنت في المكان نفسه، لقد وجد الرضيع من يدفنه بعد يوم من ولادته ومازال هناك المئات تحت الأنقاض.
فتح حسن شلهوب (4 سنوات) عينيه، نظر من حوله فرأى فتاة صغيرة تنام بقربه، هي غير زينب (6 سنوات)، شقيقته الكبرى. رأى رجلاً في المكان فسأله «عمو ليش أنا هون؟»ركض جار العائلة نحو حسن، ضمه بين ذراعيه متمتما «بعدك عايش يا حبيبي، تقبرني إن شاء الله»، وسحبه من قرب الطفلة الشهيدة «عامان»، كان حسن ملفوفاً ، ويرقد بين جثامين الأطفال الشهداء في قانا، ظنه احد المواطنين المسعفين ميتاً، كيف كان سيأمل أنه مازال هناك حياة وسط كل ذلك الموت؟
أمضى حسن والدماء تغطي وجهه ورأسه، بقية ليلته بالقرب من طفلة لا يعرف اسمها، خائفاً من القصف، وزعلان من أمه التي تركته وحيداً . هذه حكايات من تحت الدمار من قرى الجنوب نقلتها بالصوت والصورة الفضائيات، ومازال هناك الكثير من الحكايات التي سنسمع عنها قريباً .
دبي ـ جميل محسن:
