يجلس حمد في ركن قصي من صالون التجميل الذي يعج بالسيدات والبنات المنهمكات بالماكياج والتسريحات وطرق تحسين المظهر، يشعر الصبي ابن السنوات السبع أنه في مكان غريب لا ينتمي إليه ولا يتلاءم معه، ولا يستطيع أن يتحرك ويلعب فيه بحرية، فكيف وصل الصغير إلى هذا المكان ؟ ومن الذي أجبره على الجلوس فيه؟ ومتى يخرج من هذا المأزق الحرج الذي دخله مجبراً ؟

يقول حمد : «أمي جاءت بي معها وطلبت مني الجلوس ساكتاً، ولم تتركني في البيت لأن جدي مريض ولا تريد أن أزعجه بلعبي، لا أحب هذا المكان فهو للنساء فقط وكنت أتمنى لو تركتني أمي ألعب الكرة أو البلاي ستيشن في البيت، فأنا أجلس من نصف ساعة هنا ولم أتحرك من مكاني أو أتحدث مع أحد».

يشكل حمد نموذجاً لكثير من الأطفال الذين تصطحبهم أمهاتهم إلى صالونات التجميل دون وعي المخاطر النفسية والصحية والاجتماعية التي يمكن أن تسببها مثل تلك الظاهرة التي يكاد لا يخلو منها أي صالون تجميل نسائي، فكيف يمكن الحد منها؟ وكيف تبرر الأمهات اصطحاب الطفل إلى تلك الأماكن المزدحمة بالسيدات وأيضاً بالمواد الضارة الموجودة في الصبغات ومواد التجميل الأخرى؟

تقول أم حمد: «لم أصطحب ابني وأنا سعيدة بما أفعل فقد اضطررت لأني أخشى تركه في البيت فهو مشاغب جداً ويلعب بالكهرباء، وحتى لو تركته مع أخواته فسأجد المعارك قد اندلعت في المنزل، ولا أستطيع تركه في بيت جده لأنه يزعجهم ولا يترك جده ينعم بالهدوء، وما بيدي حيلة سوى اصطحابه معي هنا مع إني غير راضية عن هذا الوضع».

وتقول أم ندى التي اصطحبت أطفالها الثلاثة وخادمتها: «أستطيع ترك البنتين الكبيرتين مع الخادمة في البيت، لكن طفلي الرضيع يصرخ إذا ما تركته معهم، لذا اصطحبتهم جميعاً لأسهل الأمر وأنتهي من بكائهم ورائي». سارة محمد جاءت صالون التجميل ومعها طفلتان لم تبلغا السادسة من العمر هما بنتان لأختها وتبرر وجودهما بقولها : «البنتان متعلقان بي ويرغبان بمشاهدة الصالون لذا أحضرتهما معي، لكن هذا لا يحدث كل مرة، وإنما حصل من باب الفضول لدى الصغيرتين».

وجلست سيدة ساكنة على كرسي التجميل بينما كانت طفلتها تقفز هنا وهناك وتسقط مواد الصالون على الأرض، وترفض الاستجابة لطلبات أمها أو العاملات في الصالون بالكف عن الحركة والشغب، وقد كانت في خاتمة المطاف تبكي لرغبتها بالذهاب إلى الحمام، بينما تحاول الأم تهدئتها لحين الانتهاء من أمورها الشخصية.

وتتحدث العاملات في مجال التجميل عن المشاكل التي يسببها وجود الأطفال في الصالونات، فتقول يوكو طاهر: «ليس من السهل الطلب من السيدات عدم اصطحاب أطفالهن معهن، ولا نستطيع كتابة لا فتة بذلك خاصة أن السيدة قد لا تجد مكاناً مناسباً تترك طفلها فيه ووجدت الحل في إنشاء غرفة خاصة بالأطفال ضمن تصميم الصالون لتستطيع السيدة الاهتمام بجمالها بينما يلعب طفلها قريباً منها، إضافة إلى توفير جليسة أطفال متفرغة للاهتمام بهم حتى تقوم العاملات بأداء عملهن بدون صخب الأطفال».

فيروز كاشيم تقول: «لا أعتقد أن وجود الأطفال في الصالونات أمر صحي أو مناسب لهم لكن الواقع يفرض وجودهم، فهناك سيدات يأتين لعمل أشياء بسيطة جداً ويصطحبن معهن الصغار وللأسف بعضهم لم يتعلموا النظافة أو قواعد السلوك السليم، ويلعبوا في الصالون ويتركوا أغلفة الحلويات ويكسروا قوارير المستحضرات، وحين نطلب منهم الهدوء تغضب الأمهات منا ونتلقى التوبيخ وكأننا ارتكبنا خطأ كبيراً، وكما أن بعض السيدات يصطحبن الأطفال الرضع من دون أن يساورهن القلق من ترك الطفل بين عدد كبير من الناس فضلاً عن المواد الكيميائية وصبغات الشعر».

وتذكر السيدة روما أن بعض السيدات يصطحبن أولادهن إلى الصالون والصبية الصغار يسألونهن عن ما تفعل النساء في الصالون وتكون تلك مادة للضحك عند السيدات حيث تقول أم الصبي سيذهب ويخبر والده بما أفعل، وتتساءل كيف تكون مثل تلك التربية سليمة وصحية للطفل.

ويؤثر اصطحاب الأطفال إلى صالونات التجميل بشكل سلبي على صحتهم، ويقول الدكتور فرهاد نوري استشاري جراحة الأنف والأذن والحنجرة : «أجواء صالونات التجميل غير صحية أو مناسبة لوجود الأطفال فهي أماكن مغلقة ودرجات الحرارة فيها متغيرة، الأمر الذي يكون ذا تأثير مباشر على الغشاء المخاطي للأنف والجيوب الأنفية واحتمال الإصابة بالالتهابات والحساسية والعدوى من الفيروسات والأمراض التنفسية الموجودة داخل المكان».

ويرى الدكتور حيدر كبة اختصاصي الجراحة والطوارئ في مستشفى راشد زميل الجراحة في الكلية الملكية البريطانية «أن المواد الطيارة الموجودة تنتشر في أجواء صالونات التجميل المغلقة لذا تكون غير مناسبة لشروط السلامة ومسببة للكثير من الأمراض خاصة للأطفال الذين يكون جهازهم المناعي في طور التكوين، وتماس تلك المراد مع جلد الطفل تؤدي إلى الطفح والحساسية الجلدية،

وتستخدم بعض الصالونات الإشعاعات في إزالة الشعر وفي الغالب يكون الطفل قريباً من مرافقته الأمر الذي يشكل خطراً على الجهاز البصري للصغير وهو أمر يغفله الكثيرون، واصطحاب الأطفال الرضع إلى صالونات التجميل يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، فقناتا الحليب يكونان عرضة للتلوث في الصالون من الغبار والفيروسات، ونجد للأسف الشديد بعض السيدات يدخنّ في الصالون ما يعني زيادة التأثير السلبي لاصطحاب الأطفال إلى صالونات التجميل».

وفي النهاية ربما يكون هذا التحقيق يدق ناقوس الخطر للسيدات اللائي يستسهلن اصطحاب أطفالهن إلى صالونات التجميل من دون إدراك الخطر الذي قد يحيط بفلذات أكبادهن في هذه الأماكن.

دبي ـ دلال جويد: