يبدو أن أطول برامج تلفزيون الواقع انطلق في 12 يونيو 2006 تحت عنوان «العدوان الإسرائيلي على لبنان»، وتلعب الدولة الصهيونية بكل ما أتيح لها من مقومات لا إنسانية دور البطولة فيه فتؤمن لوسائل الإعلام مواد دسمة حماسية مشبعة برائحة الدم والبارود، تنقلها الأخيرة لملايين المشاهدين بصيغة «الخبر العاجل»، ويتحول الصحافيون اللبنانيون والعرب إلى جنود مجهولين..ولكن معروفين في الوقت عينه، في ساحات القتال، وما بين الجرأة والخوف والحذر والكر والفر يقع هؤلاء الجنود ـ النجوم في أخطاء غير مقصودة، إلا أنها مميتة وقاتلة أحيانا.

لا نسوق هذه المقدمة انتقاصاً من جهود جبارة أو مهمات وطنية يؤديها عشرات الزميلات والزملاء في ساحات الحرب، ويضعون خلالها أرواحهم «على كف عفريت» كما يقال عادة، بل إننا نتطرق لهذا الموضوع بغية التنبيه إلى مجموعة من الأخطاء غير المتعمدة التي يتم ارتكابها في خضم المخاطر التي تحيط بالإعلاميين خلال قيامهم بواجبهم المهني، ومن منطلق الحرص على أرواح هؤلاء الزملاء، إلى جانب الأرواح البريئة التي تطاولها آلة الحرب الإسرائيلية بكل وسائل القتل والدمار.

وأخطر أنواع هذه الأخطاء تحول بعض الصحافيين إلى دليل مرشد للعدو الإسرائيلي، فمندوبة إحدى المحطات التلفزيونية اللبنانية أطلت من منطقة البقاع تتحدث بحماس حول ما شاهدته من دمار وموت في إحدى القرى، وتلفت إلى صمود الأهالي ومعنوياتهم العالية وتردف قائلة: «عندما هممنا بالرحيل كان الطيران يحلق في أجواء المنطقة فنصحنا عناصر «حزب الله» بعدم الخروج الآن وانتقلنا معهم إلى احد الأقبية المحصنة إلى ما بعد ابتعاد الطيران الحربي الإسرائيلي».

مندوبة أخرى عجزت عن إخفاء حرجها أمام مذيع لم يتورع عن إزعاجها بتكرار سؤالها عن سبب الغارات الإسرائيلية المتكررة على بلدة الخيام، من دون أن يشعره تهربها من الإجابة أن سؤاله في غير مكانه. سأل: «هل رأيتم في القرية مسلحين تابعين لحزب الله»؟

وعندما أجابته بالنفي ألح بالسؤال: «ربما في ضواحيها أو في الطريق المؤدية إليها»؟، عندها لم تجد سوى تغيير الموضوع في اتجاه آخر هربا من إصراره. وها هو مندوب أحدى محطات التلفزة يعلق على صور الدمار في ضاحية بيروت الجنوبية حيث كان يجول مع مصور المحطة، فيقول: «لقد تغيرت معالم حارة حريك تماما ولولا عناصر الحزب الذين رافقونا في الجولة لتهنا بين الركام».

أقرب إلى الخيال

وتفاجئ إحدى المحطات الفضائية مشاهديها بخبر لمراسلها يدعي فيه أن «صواريخ انطلقت من مدينة صيدا باتجاه إسرائيل» من دون أن يوضح كيف تمكن صاروخ كاتيوشا من اجتياز مسافة قد تصل إلى 70 كيلومترا، مما اضطر محطته إلى نفي الخبر لاحقا وبث التكذيب الصادر عن «مصدر امني في صيدا ينفي إطلاق صواريخ من المدينة». وكانت المحطة عينها ادعت في مبادرة تحليلية لا مبرر لها أن الدفعة الأولى من الصواريخ التي أطلقت على حيفا مصدرها مدينة صور.

وفي هفوة أخرى، سببها التسرع لنيل امتياز السبق الصحافي، تظهر مندوبة المحطة إياها من مكان مطل على الضاحية الجنوبية لبيروت، لتقول أولا إن بلدة كفرشيما تتعرض للقصف، وتتحدث عن إصابة معمل لتعبئة الغاز فيها بنيران إسرائيلية، ليتبين لاحقا أن ما أذاعته عار عن الصحة تماما وغير منطقي.

بعدها بدقائق تقول إن الطيران أغار على محطة الكهرباء في الجمهور ليتبين أنها أخطأت أيضا. وتذهب الأخطاء إلى أبعد من ذلك، حين تتجرأ تلك المحطة أن تنسب لمصدر أمني إسرائيلي اعترافه بسقوط طائرة «أف 16» في لبنان، ليتبين أن الأمر غير صحيح، بعد أن تكون المندوبة قد جرت بتسرعها سائر زملائها إلى الخطأ ذاته، قبل أن تغوص في تحليل عسكري تستنتج فيه أن «ما سقط هو صاروخ أطلقه حزب الله من الضاحية باتجاه طائرة حربية إسرائيلية سقط لخلل فيه ما أدى إلى مقتل شخصين».

مراسل آخر، وبعد نجاته وزملاء له من قصف إسرائيلي استهدفهم على الطريق إلى حاصبيا، يبريء إسرائيل من فعلتها، فيقول ردا على سؤال حول ما إذا كان وزملاؤه مستهدفين فعلا بالقصف: «لو كانوا يريدون قتلنا لحولونا إلى كفتة». إحدى المحطات اللاهثة وراء السبق وضعت بلدة مارون الراس اللبنانية الحدودية التي حاول الإسرائيليون الدخول إليها منذ يوم الخميس الماضي، تحت سيطرة إسرائيل منذ صباح السبت رغم نفي الطرفين المعنيين بالمعارك هناك، واستنتجت في خبر أوردته في شريط الخبر العاجل بدء اجتياح لبنان فجر الاثنين من دون أن تنسب هذا الكلام إلى أحد.

هجوم من نوع آخر

ولان الصور والأحداث لا تكفي لتعبئة فضاء التلفزيونات، وقع المشاهد ضحية هجوم من نوع آخر تمثل باستضافة عشرات المنظرين والمحللين والسياسيين. وعمدت بعض المحطات إلى فتح هوائها لاتصالات الناس الذين لم يتأخر عدد كبير منهم في كبّ جام غضبهم على بعض الضيوف وانتقاد مواقف وأفعال رؤساء وملوك وأمراء عرب وأجانب. فوجد المقدمون أنفسهم مضطرين لقطع الاتصال لصد الهجوم والاعتذار من الضيف وتأكيد حياد المؤسسة أو عدم تبنيها ما قيل.

وتحولت بعض تلك البرامج على جديتها إلى فسح كوميدية. فإحدى المحطات اللبنانية كانت تستضيف احد أقطاب حركة «14 مارس»، أثقل كاهل المشاهد بالتحليل والنصائح. فاتصل احد المواطنين النازحين متحدثا عن الموت والدمار الذي لحق به وبعائلته والوطن ليختم بسؤال الضيف: «ألا تشعر يا أستاذ انك سخيف؟» فثار الضيف وضرب بيده على الطاولة منددا مهددا رادا الشتيمة بغيرها.

يعتذر المقدم، ويأخذ اتصالا آخر من شخص نزح من الجنوب إلى إحدى مدارس بيروت، يمتدح المتصل المحطة قبل أن يشير إلى عتب عليها، يسأله مقدم البرنامج عنه ليأتيه الجواب الصدمة: «لماذا تصرون على استضافة الخونة أمثال الأستاذ الجالس أمامكم»؟ يثور الضيف من جديد فيتخذ المقدم قرارا بوقف استقبال الاتصالات.