يحمل الخنجر اليمني المعروف بـ «الجنبية» دلالات ومعاني اجتماعية، ترسخت عبر حقب طويلة من الزمن جعلت من هذا السلاح الذي يتمنطق به اليمني على خاصرته أداة اجتماعية لها ادوار وظيفية تفوق التلويح بقوة وسطوة صاحبها.

فحركة بسيطة من حاملها تجاه الغير، تحمل أكثر من معنى ودلالة، وكل حركة واعية مفتعلة تجاه الغير لا تعني بأي حال التهديد باستخدام القوة، بل قد تعني الضعف والهوان او طلب السلام وليس الحرب، طبقا لما جرت عليه الأعراف والتقاليد القبلية اليمنية.

فعندما ينشب نزاع بين اثنين، يأتي دور «الجنبية» إما لتؤجج الصراع وتذكيه أو لتفضه وتنهيه، ففي الحالة الأولى قد يعمد متهور إلى امتشاق الجنبية وطعن خصمه، وفي الحالة الثانية قد ينتهي صراع متأجج بين خصمين أو أكثر أو حتى نزاع قبلي إلى سلوك طريق التحكيم بحركة بسيطة لها دلالات ترسخت منذ أزمنة سحيقة في التاريخ اليمني،

ومؤدى تلك الحركة ان يمتشق طالب التحكيم جنبيته ليضعها بين يدي أحد وجهاء القبيلة محكما له لما جرى بينه وبين خصمه، وتلك الحركة تعني حسب تلك الأعراف رضاء وقبولاً بما يصدر عن ذلك المحكم وتخويلا له بالقول الفصل في النازلة المعروضة عليه، وحسب الأعراف والتقاليد اليمنية المرعية، ليس بالضرورة أن يكون ذلك المحكم رجلاً محايداً لا ينتمي إلى أي من قبيلة الخصمين

بل على العكس قد يكون الخصم نفسه هو المحكم بالنظر في النازلة موضع الخلاف، وما يصدر عنه يكون ملزما للطرفين، لكن عليه ألا يخالف القواعد المرعية التي استقرت في الزمان والمكان، وتواترت على نحو يجعل من مجانبتها أمراً مخلا بتلك الأعراف، وبالتالي على ذلك المحكم وإن كان خصماً أن لا يشذ في حكمه عن المتعارف عليه من قواعد العدالة، التي توافقت عليه القبائل ما لم يجلب على نفسه العيب أمام القبائل الأخرى.

ولعل احترام مثل تلك القواعد في التقاليد والأحكام القبلية، أعطى للجنبية مكانة اعتبارية رمزية تفوق كما يدل على ذلك مجرد امتلاك السلاح والقوة، الذي يوحي به التمنطق بالجنبية من قبل اليمنيين على نطاق واسع، فهي إذا كانت مؤشراً على إحاطة الفرد نفسه بهالة من المنعة تزجر عنه المتطاولين، فإنها تؤدي وظائف اجتماعية عديدة أيضاً،

إذ أن تنكيسها أمام وجهاء القبيلة في العرف القبلي المتواتر تعني طلب النجدة ونصرة القبيلة لذلك الفرد او لقبيلته من قبل القبيلة التي قصدها طالباً النصرة والنجدة، والذي يقوم بتلك الحركة عادة أمام رموز واعيان القبيلة التي يطلب منها المؤازرة والنصرة،

وحسب الأعراف والعادات لايلجأ المرء إلى مثل تلك الحركة المعروفة بـ «التنكيف» إلا في الملمات والنوازل الكبرى كالاعتداء أو الإغارة على مرابع القبيلة أو أفرادها من قبل خصوم آخرين مما يضطر القبيلة المقصودة إلى استنفار قوتها واستنهاض شوكتها لمواجهة الخطر الذي استنجد منه الشاكي ورفع ضرره، وبما يجبر بخاطره ويعيد له حقا سلب منه.

و«الجنبية» او الخنجر اليمني الذي اصبحت ترتبط به دلالات وعلامات ليس بجديد، فهو يرجع إلى حقب ضاربة في القدم مثل تلك الدلالات والعلامات التي حولت هذا السلاح الأبيض من تمنطق بالقوة والمنعةإلى وسيلة للسلام والوئام، خاصة أنه في الغالب الأعم مايعاب على الفرد إذا ما استخدم ذلك السلاح ضد خصمه آو حتى إذا مالوح به باستخدامه او هدد به لأنه من العيب ان يعمد الرجل إلى مثل تلك الأساليب التي تمقتها القبيلة وتلفظها طبقا للتقاليد الاجتماعية المتوارثة منذ القدم.

وتذهب الكثير من المصادر التاريخية إلى أن تمنطق اليمني بالجنبية ليس حديث العهد بل يرجع إلى ازمنة غابرة تعود إلى ما بين 1000عام إلى 1500 عام، كما تؤكد على ذلك بعض الشواهد التاريخية التي عثر فيها على نقوش للجنبية اليمنية،

على أن اهم تلك الشواهد التي تؤكد العلاقة الحميمية بين الإنسان اليمني والخنجر المعروف بالجنبية يرجع إلى الحضارة السبئية والدولة الحميرية، كما بدا من ثمثال لأحد اليمنيين «معد يكرب» الذي عثر عليه بداية الخمسينات من القرن الماضي، وهو عبارة عن تمثال يعود إلى 500 قبل الميلاد يظهر في «معد يكرب» متمنطقاً بجنبيته المربوطة إلى خاصرته.

ومنذ ذلك الحين وربما قبله بكثير، أصبحت الجنبية من متلازمات الرجل اليمني وعنوان انتمائه يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، وكلما قدم عهدها ارتفع ثمنها الذي يبدأ من بضع مئات من الريالات إلى مئات الآلاف من الريالات، بل إن الأقدم والأجود وصل سعره إلى مليون دولار،

كما هو الشأن بتلك التي اشتراها احد المشايخ قبل عشر سنوات بمليون دولار وأخرى بـ 600 ألف دولار، وكلما كانت الجنبية ملكا لأحد الوجهاء والأعيان كلما ارتفع ثمنها، على أن نوعية مقبضها تبقى هي المحدد لسعرها، ويطلق على المقبض الرأس، وهو يُفصل من مواد مختلفة كالأخشاب والعاج وحوافر الحيوانات، على أن أهمها هو الرأس المنحوت من قرن وحيد القرن الذي يعد الأغلى على الإطلاق،

وكلما قدم ذلك المقبض كلما اكتسب لوناً براقاً يكون هو المحدد لسعر الجنبية الذي وصل في بعض الحالات إلى رقم خيالي. وتدخل نوعية الجنبية وقدمها دائرة المنافسة بين القبائل، حيث يعمد شيخ كل قبيلة إلى التدليل على مكانته وشوكته من خلال جنبيته الظاهرة للعيان، بحيث يستطيع الناظر إلى بروزها على خاصرة الرجل أن يقدر ثمنها ومكانة حاملها، وكلما كان مقبضها البارز سميكاً لماعاً باخضرار مائل للصفرة أدرك سعرها وأقدميتها.

صنعاء ـ عبدالكريم سلام