عندما غزا الإسكندر المقدوني مصر، جذبه موقع جزيرة «راقودة» وامتداد البحر من حولها، كما سحرته رمال الشاطيء الذهبية، فقرر بناء مدينة تحمل اسمه وتجمع ما بين جمال الطبيعة الأخاذ، وفنون العمارة السائدة وقتها. وبعد وفاته أخذ أتباعه على عاتقهم استكمال بناء مدينة الإسكندرية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وجعلها بطليموس الأول عاصمة دولته.
ومن الغرائب التاريخية أن مدينة الإسكندرية الحالية، قد بنيت على أنقاض ست مدن أخرى بعضها مازال كاملا تحت الأرض، بينما توجد تحت مياه «الميناء الشرقي» مدينة كاملة، انتشلت بعثة أثرية مصرية فرنسية عدداً ضخماً من التماثيل والآثار اليونانية والرومانية من تحتها،
وبرغم أهمية التاريخ البطلمي ثم الروماني في الإسكندرية، إلا أن الآثار التي خلفتها هاتان الحضارتان عانت من الإهمال لفترة طويلة، ما دفع الحكومة المصرية في عام 1891 إلى إنشاء متحف يضم آثار هذه الفترة، واعتباراً من 1895 احتل المتحف «اليوناني الروماني» موقعه الفريد في قلب «الحي اللاتيني» بالإسكندرية.
ويضم المتحف «اليوناني الروماني» بعد توسعته حوالي 50 ألف قطعة أثرية تغطى ثمانية قرون كاملة من بينها ثلاثة قرون من الحكم البطلمي وحقبة كاملة من الحكم الروماني وجزءا صغيراً من الآثار الإسلامية بعد فتح عمرو بن العاص لمصر في 641 ـ 642 ميلادية، وقد حقق المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية الغرض من إنشائه،
فقد أصبح مدرسة للبحث والتنقيب عن الآثار وتحديد تاريخها وصيانتها وترميمها، كما أصبحت أقسامه المختلفة مزاراً مهماً للسياح ولأهل الإسكندرية على السواء، وساهم خبراء المتحف في المساعدة على انتشال العديد من الآثار الغارقة أمام سواحل الإسكندرية منها تمثال الالهة «إيزيس» والذي يعود تاريخه للقرن الثالث قبل الميلاد ويزن حوالي 25 طناً .
ونظراً لقيمة هذه الآثار الغارقة، فقد اهتمت منظمة اليونسكو بهذا الموضوع ،ما أدى إلى اكتشاف «المدينة الأسطورية» للملكة كليوباترا التي كانت غارقة في الميناء الشرقي، واهتمت وسائل الإعلام العالمية وخبراء الآثار بنتائج هذا الكشف، وأطلق عليه «اكتشاف القرن العشرين».
وتحتوي أقسام المتحف «اليوناني الروماني» على آثار تتنوع ما بين الفرعوني والبطلمي والروماني والإسلامي عثر على أغلبها في جهات متفرقة من الإسكندرية، كما جلبت قطع أثرية أخرى عثر عليها في مناطق الأشمونين وجرجا والمطرية والفيوم وبرنيس .
ومن أبرز كنوز هذا المتحف مجموعة «التناجرا» وهي تماثيل فخارية ملونة صغيرة الحجم دقيقة الصنع تمثل نماذج من الحياة اليومية لسكان العصر اليوناني وبداية العصر الروماني، وقد عثر على هذه التماثيل في قلب مناطق الإسكندرية الحالية مثل الابراهيمية والحضرة،
كما وجدت بعض هذه التماثيل في مقابر الشاطبي الأثرية. وتضم روائع المتحف أيضاً مجموعة من التماثيل كبيرة الحجم منها تمثال الإله «العجل أبيس» وهو مثال من الغرانيت يتوسط قرنية قرص الشمس، وتماثيل «ماركوس» أو «ريوس» وتمثال «سرابيس» المنحوت من المرمر الأبيض ، كما نقلت إلى المتحف أجزاء وبقايا مقابر أثرية زخرفت جدرانها بـ «الفرسكو» الملون، ويضم المتحف قسماً للحلي القديمة والعملات الأثرية وقنيات القديس «أبو مينا».
وللمتحف اليوناني الروماني فناء فسيح وضع فيه عدد من «التوابيت» الغرانيتية الضخمة التي تمثل فترات تاريخية مختلفة، و أنشئت في فناء المتحف مكتبة تحتوي آلاف الكتب بلغات مختلفة حول الآثار اليونانية والرومانية والآثار المسيحية والإسلامية، ويضم فناء المتحف أيضاً سوقاً لبيع الهدايا التذكارية وبعض الآثار الأصلية المكررة والمنقولة. ويعد هذا المتحف سجلا تاريخياً يصف أمجاد الاسكندرية التي يتجدد وجهها مع الزمان، ويزداد شبابها كل يوم رغم أن عمرها يزيد على 2300 سنة.
خدمة (وكالة الصحافة العربية)
القاهرة ـ تامر صلاح

