يرى الذين التقيناهم في هذا التحقيق حول ظاهرة المعاكسات في صفوف جيل الشباب ان أهم الأسباب تعود لغياب الوعي والسلوك الخاطئ، بينما اعتبر البعض ان الإجراءات القاسية قد لاتؤدي إلى تخفيف من حدة الظاهرة او الحد منها، فيما لفت البعض أيضا ان الظاهرة تعدت الشباب وأصبحت تطال في ممارستها اليوم الفتيات والشابات،

حيث تم مؤخرا الكشف عن محاولة معاكسة قامت بها أربع فتيات تم توقيفهن وتنبيههن قبل الإفراج عنهن،وقد جاءت هذه المحاولة وما تكشف عنه الجهات الأمنية بين وقت وآخر، لتؤكد ان الظاهرة لن تزول طالما أن الأسباب الدافعة لها ما زالت قائمة، وطالما ان الإجراءات هي بحد ذاتها وسائل ردع لاتكفي لإنهائها او منع الشباب والشابات منها.

لابد لنا من الإعتراف أن بعض من التقيناهم يرفضون اعتبار هذه الحالات ظاهرة إلا أن المراجع المعنية التي وقفنا على آرائها، ومنها الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في دبي ممثلة بمديرها العميد خميس المزينة يعتبرون الأمر حالات إجتماعية يجب معالجتها ومنع تفاقمها.

ظاهرة مرفوضة

تقول فاطمة السري المنسقة الإعلامية لجمعية النهضة النسائية بدبي: «ظاهرة المعاكسات بين أوساط الشباب هي قديمة ومتجددة في نفس الوقت، وظهرت بوسائل حديثة وفي عصر توفرت فيه التقنيات التي هيأت كافة سبل الترفيه والاتصال، لذلك نرى ان المعاكسات أخذت شكلا جديدا ونمطا مختلفا كان عبر وسائل الاتصال مثل الموبايل والانترنت او من خلال المراكز التجارية والمنتزهات وغيرها،

ثم ظهرت مؤثرات جديدة مثل العادات الأجنبية والغربية على المجتمعات الإسلامية وسفر شبابنا وشاباتنا إلى الدول الأجنبية مما اثر في حياتهم وأخلاقهم، كل هذه العوامل ضاعفت من انتشار الحالة وتفشيها بين أوساط المجتمع الخليجي، وفي اعتقادي ان الإجراءات الصارمة من الصعب ان تحل وتنهي هذه الظاهرة لأنها وكما قلت قديمة متجددة،

ولكن من الضروري جدا ان يتحمل البيت مسؤولية تربية الأبناء على الأخلاق الطيبة وان تضاعف الجهات المعنية من برامج التوعية ثم يأتي هنا دور الإجراءات والتي يجب ان تكون بالتدرج وفي حالة تكرار الخطأ يؤخذ بحق صاحبه الإجراء الرادع له».

من جهته، العقيد محمد صالح بداه من وزارة الداخلية يعمم مسؤولية المعالجة على أكثر من طرف إجتماعي معني ويقول: «في ظاهرة كظاهرة المعاكسات لا يمكن ان نحمل جهة واحدة المسؤولية فهناك وسائل عديدة وكثيرة أسهمت في انتشارها وأوصلت الشباب والشابات الى هذا المستوى من السلوك الخاطئ،

وإذا نظرنا أولا الى المسببات الرئيسية نبدأ من البيت حيث توجد مشاكل أسرية واجتماعية اثرث سلبا على كثير من الشباب، ثم الوسائل والتقنيات الحديثة التي أصبحت بمتناول الشباب والحصول عليها بكل سهولة، إضافة الى انتشار فتيات النداء في الشوارع وإغراء الشباب بأجسامهن وملابسهن غير المحتشمة، ثم يأتي عامل الوقت الذي مهد لكثير منهم سبل التواجد في المنتزهات والمحال التجارية، والفراغ من الأسباب الرئيسية لهذه الظاهرة

خاصة في مثل هذا الوقت حيث الغالبية يستمتع بالإجازات الصيفية، والحل في اعتقادي يكمن في المعالجات التي تبدأ من البيت والمدرسة في المراحل الأخيرة، ويأتي دور الجهات الامنية التي نرى انها تؤدي دورها انطلاقا من الحفاظ على امن الجميع وتأمين الحرية والأمان لكل فرد يعيش على ارض الدولة، وهي تعالج مثل هذه الظواهر بالقوانين والإجراءات المتبعة».

ويقول خالد السركال رئيس ملتقى الإمارات للإبداع: «في مثل هذه المسألة علينا ان ننظر بجدية الى آثارها وقبل ذلك الى مسبباتها حتى يمكن معالجة مثل هذه الظواهر، ولكن في المقابل يجب ان نعترف بأن من يقوم بمعاكسات في الشارع، شابا كان أم فتاة،

إنما ينطلق من تفكيره الخاص فالبعض يعتقد في نفسه بأن مثل هذا التصرف هو اثباث لرجولة اذا كان رجلا، أو أنه بحث عن علاقة قد تصل الى علاقة شرعية بالنسبة للفتاة، لذلك أرى ان العقاب يجب ان يكون بحجم ونوع التصرف، ومن الضروري اجراء الكثير من الدراسات حول هذه الظاهرة وايجاد الحلول لها».

ويرى علم النفس الظاهرة من زاوية لابد من الأخذ بها عند معالجة الأمر إذ يقول د. ريموند حمدان أخصائي نفساني: «الأشخاص الذين يعاكسون يتصفون بعدم النضوج الانفعالي، وعدم نمو الضمير الاجتماعي، وبالتالي يجدون صعوبة في عملية التكيف بالرغم من نضوجهم الجسدي والنظرة إليهم باعتبارهم كبارا، وهم لا يزالون يعانون من طفولة الذات الاجتماعية، ولا يوجد لديهم أية مراعاة لمشاعر الآخرين، ويفهمون الحرية والقانون والكرامة الإنسانية بمفهوم خاص تسيطر عليه الأنا الفردية، بل إنهم لا يتعلمون من أخطائهم، ويكرهون الالتزام بالقيم الأخلاقية والاجتماعية».

تصرف غير مسؤول

ويختتم العميد خميس مطر المزينة مدير الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية بدبي هذا التحقيق بقوله: «في مثل هذه الحالة لايجب ان نعمم ونعتبر الجميع في خانة واحدة فكما يوجد المعاكسون ومرتكبو الأخطاء، هناك مجتمع بأكمله فيه الصغير والكبير الفتاة والشاب وهم عناصر متقيدة بالأصول والعادات ويلتزم معظم هؤلاء بالقوانين والأنظمة، والواجب علينا نحن ان نحمي المجتمع والمقيمين على ارض الدولة من مضايقات بعض الشباب في الأماكن التي يرتادونها خاصة في المنتزهات والشواطئ والمراكز التجارية،

والذين يقومون بمثل هذه التصرفات يسيئون لأنفسهم ولبلدهم إذا كانوا من الشباب المواطنين»، مؤكدا ان هذه «التصرفات هي أفعال من أفراد قد تكون لهم أسبابهم ولكننا نعتبرها غير منطقية لأنها تعد من التصرفات غير الأخلاقية وسلوكا يتنافى مع عادات وتقاليد المجتمع الإماراتي الذي نعتز بسمعته الجيدة داخل الدولة وخارجها، ونصيحتي للشباب والفتيات ان يبتعدوا عن هذا الطريق فالمعاكسات من أسبابها الفراغ وعدم الوعي والاعتقادات الخاطئة».

وحول ما تناولته مؤخرا وسائل الإعلام من كشف فتيات يقمن أيضا بمعاكسة الشباب يوضح العميد المزينة: «نحن مع وسائل الإعلام في نقل الحقيقة ونطلب منها دائما أن تكون مرآة لتعكس الواقع كان سلبا او إيجابا ولكن مايؤسف له ان المبالغة والإثارة أحيانا تأتي على حساب الحقيقة فنقرأ أحيانا مبالغة في تناول بعض القضايا،

وبالنسبة للفتيات اللاتي نشر عنهن وهن أربع فتيات، أريد ان أؤكد ان الخطأ والتصرف غير المسؤول يأتي من الرجل ومن المرأة لذلك أخذت في الاعتبار ان هذه مسألة اجتماعية يجب معالجتها بالطرق الصحيحة، وشخصيا استدعيتهن وتحدثت إليهن كل على حدة منبها إلى ان مثل هذا التصرف يسيء لهن ولأسرهن ولمجتمعهن وان عليهن ان يكن المثل للفتاة الإماراتية،

وبالفعل لمست منهن أنهن نادمات على ما قمن به، لذلك كنت معهن الرجل الأب كناصح لهن وموجه، و لم تقم الجهات المعنية بحجزهن وأمرت بالإفراج عن سياراتهن ،وكرجل مسؤول أعتقد بوجوب مراعاة الجانب الإنساني وهو ماقمت به».

دبي ـ جميل محسن