نتوق إلى الخروج من صخب المدينة نحو هدوء الطبيعة لننعم ببعض الراحة والتحرر من قيود العمل اليومي وهموم التسوق والازدحام المروري وغيرها من التفاصيل التي تصدئ القلب وتمل منها الروح، وقد أخذتنا رحلتنا من مانشستر نحو الريف الانجليزي في منطقة البحيرة ليك ديستريكت، فكانت المناظر الساحرة للقرى الخضراء والبيوت الانجليزية ذات الطراز التقليدي.

وقد أحيطت بأنواع الورود والنباتات لترتسم لوحة لا يمكن وصف روعتها بكلمات معدودة، وما أن وصلنا إلى الفندق الذي يقع على ضفاف بحيرة وندرمير حتى انطلقنا نحو الشاطئ الذي بدا في غاية الجمال بوجود البط الأبيض بأنواعه والبط العراقي الذي أشعل في النفس الحنين إلى الوطن وجعل للمكان خصوصية تتداخل فيها صور الطفولة وبراءتها المنسجمة مع الطبيعة.

هذه المنطقة الساحرة حرضت خيال الشعراء الانجليز مثل الشاعر وليام ووردز ورث الذي قضى طفولته في المنطقة وغادرها ليعود إلى أحضانها حتى أيامه الأخيرة،وقد تحول منزله إلى متحف يؤمه السياح والمهتمون بالأدب الرومانسي، ولا يمكن أن نغفل كاتبة الأطفال العالمية بياتريس بوتر التي أبدعت أجمل حكايات الأطفال في بيتها المطل على البحيرة، وقد أصبح المكان معرضا يضم جوانب جميلة من إبداعها وأبطال قصصها المصورة الجميلة التي أمتعت الأطفال وأبدعت لهم عالما جديدا.

ومنطقة البحيرات من أكثر المشاهد السياحية شهرة، تضم ست عشرة بحيرة ضخمة وخمس قمم هي الأكثر ارتفاعا في انجلترا إضافة إلى ثلاثة آلاف كيلومتر من الطرق المؤدية إلى الوديان والهضاب المطلة على البحيرات، وبحيرة وندرمير أكبرها إذ يبلغ طولها اثني عشر ميلا وعرضها ميلا واحدا وعمقها مئتين وعشرين قدما وهي أكبر البحيرات في البلاد، وتتغذى من مجموعة أنهار وعيون وتحيط بها التلال الخضراء والحقول والمراعي الخصبة إضافة إلى سلسلة من المباني التاريخية والقلاع والقصور القديمة التي تحولت إلى متاحف ومعارض للثقافة والفنون.

خلال الجولات بين قرى البحيرات تتسع العينان لتحتوي المشاهد الجميلة للجبال الخضراء وعيون المياه والشلالات الصغيرة، وأيضا نلاحظ هذا التسامح الإنساني الذي يبديه أهل البحيرة مع الزائرين، فقد كانت الطرق الجبلية الوعرة لا تسمح بمرور سيارتين في كل الأماكن فكان الناس يعودون إلى الخلف بسياراتهم ليفسحوا الطريق للآخرين وهم مبتسمون، بينما يظهر هنا وهناك أشخاص اختاروا متعة التجول سيرا على الأقدام في تلك المناطق المبهجة.

وكثير من الأزواج الكبار في العمر والذين أنهوا التزاماتهم العائلية جاؤوا إلى تلك البقعة من العالم ليستمتعوا بأوقاتهم، وأيضا من المناظر الممتعة الصبية الصغار وهم يجرون هنا وهناك يلاحقون الفراشات كما كان يلاحقها الشاعر ووردزورث في المكان ذاته قبل قرن من الزمان، وكثير من الناس يفضل التمتع بجولات حرة في المتنزه الوطني الذي جمع بين جمال الطبيعة وتنظيم اليد البشرية ليظهر بشكل يناسب الرحلات العائلية أو الفردية.

وعلى مرمى النظر كانت مراعي الغنم تمتد على مساحات خضراء، حيث يشكل الصوف في المنطقة واحدا من مصادر ثرواتها الطبيعية، فيحتفل الناس بجز الصوف في موسم الصيف، وكثيرا ما يعتمد الناس على منتجات حدائقهم من الخضروات والفواكه إضافة إلى تربية الدواجن في الحدائق المنزلية وفي الحقول الواسعة، وتشكل البطاطا إحدى الوجبات المميزة في المنطقة إذ أنها تعد بنكهات وطرق متعددة.

واكتشفنا أن فنادق المنطقة ومطاعمها هي بيوت قديمة تمت تهيئتها لاستقبال الزائرين، وحين نتناول الطعام نشعر أننا في ضيافة إحدى العائلات، ففي المطعم تفاصيل البيت وأثاثه..

وعلى الجدران صور العائلة ومقتنياتها وتاريخها، ومن النوافذ نطل على حدائقها المزدانة بالزهور الملونة التي انتشرت في الأرض وعلقت على الجدران في أصص صغيرة وكل منها يحتوي على أكثر من أربعة عشر نوعا من الزهور الملونة في إناء صغير واحد!.

كنا نتوقع أن يكون عشاؤنا بعد مغيب الشمس لكن الشمس الرقيقة في تلك المنطقة لا تغيب قبل العاشرة مساء فهي تضيء المكان بحضورها اللطيف إذ يمكن أن تجد الهدوء والراحة وتستمتع بندى الورد على أوراقه وزقزقة العصافير على ضوء الشمس في العاشرة ليلا، وهو أمر لا يبدو واقعيا، لكن تصديقه وارد لأن الطبيعة تخفي في جعبتها الكثير من الدهشة.