بعد سنة على عودته إلى النور ودفء الوطن، يروي حسين حريري تفاصيل السنوات السبع عشرة الطويلة والثقيلة التي أمضاها في سجنه السويسري، إثر صدور حكم عليه بالسجن المؤبد من أعلى المحاكم السويسرية، في ضوء عملية خطف الطائرة الفرنسية التي نفذها في العام 1987 وعلى متنها 148 راكباً من جنسيات أوروبية مختلفة.
احتجزهم كرهائن للضغط على إسرائيل للإفراج عن 400 معتقل لبناني كانوا يقبعون في سجن الخيام الذي أقامته قوات الاحتلال الإسرائيلي في بلدة الخيام قرب الحدود مع فلسطين المحتلة.بعد تسعة أشهر من الحرية، ابتكر حسين طائرته الخاصة القادرة على التحليق.
«البيان» التقت حسين حريري في بلدته «دير قانون النهر» الواقعة على ضفة نهر الليطاني في جنوب لبنان، وحاورته حول دوافعه وراء خطف الطائرة والسنوات التي أمضاها في السجن وصولاً إلى الطائرة التي صممها ونفذها بجهده الفردي.
استهل حريري كلامه بالحديث عن مراهقته التي تفتح خلالها وعيه السياسي، بينما كانت بلدته ترزح تحت الاحتلال الإسرائيلي. يقول عشنا أياما صعبة نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية. لم تشأ الظروف أن أتحول إلى مناضل، فقد قرر والدي أن أرافقه للعمل في أفريقيا الوسطى بالتجارة. عملت هناك مدة عامين، وأثناء عودتي لزيارة لبنان اعتقلني الإسرائيليون،وتعرضت للتعذيب والإذلال، ورأيت آلاف الشبان يتعرضون للمهانة والضرب.
وبعيد إطلاق سراحي قررت الانخراط في العمل، وبدأت أخطط للقيام بعملية نوعية أحرر من خلالها الأسرى، فكرت بخطف طائرة واستخدامها وسيلة ضغط على إسرائيل والدول المؤيدة لها.
وشجعني على ذلك نجاح تجربة مماثلة قام بها محمد علي حمادة اللبناني الذي اختطف عام 1985 طائرة تابعة لشركة «ترانس وورلد إيرلاينز» الأميركية وتمكن خلالها من الضغط على الإدارة الأميركية برئاسة رونالد ريغن آنذاك الذي دفع إسرائيل للإفراج عن ألف معتقل لبناني وفلسطيني.
أهداف الخطف
وأكد حسين حريري أنه لم يكن ينتمي إلى أي حزب خلافاً لما اتهمته به السلطات السويسرية بأنه ينتظم في صفوف حزب الله اللبناني. وقال: «قررت القيام بالعملية بشكل فردي من دون التنسيق مع أحد».
ويروي حريري كيفية إعداده العملية وانطلاقها بعد أن حسمت خياري وضاقت نفسي من ممارسات الاحتلال، اخترت طائرة تابعة للخطوط الفرنسية ستقلع من مطار بانغي نحو باريس وروما.
حملت حقيبة على ظهري دسست فيها راديو حشوته مسدسا وعلبة خرطوش ووضعت داخل الحقيبة قنبلة غير معدة للانفجار وبعض المواد المتفجرة، جلست في مقعدي لساعات على أن أنفذ مخططي، وبعد عشر دقائق وتحديدا فوق شمالي روما دخلت إلى الحمام وفتحت الحقيبة وحشوت المسدس بالرصاص واتجهت نحو مقصورة القيادة .
حيث كان الطيار جالسا مع مساعده واثنين من التقنيين، شهرت المسدس في وجهه وطلبت منهما تغيير وجهة الطائرة في الحال نحو مطار بيروت الدولي، فأكد أحدهم أن ذلك متعذرا نتيجة نفاد الوقود من الطائرة. قبلت بالهبوط في سويسرا باعتبارها بلداً محايداً.
أضاف: في جنيف أكدت للشرطة أنني لست إرهابيا بل أريد الضغط على إسرائيل للإفراج عن أسرى معتقل الخيام. وبعد أربع ساعات من الأخذ والرد، اقتحمت الشرطة السويسرية الطائرة فأطلقت النار على احد المضيفين بعد مهاجمتي، وقتل شاب فرنسي من بين الركاب برصاص الشرطة. استمرت محاكمتي عشرين شهرا في لوزان ونلت في شهر فبراير 1989 حكما بالسجن المؤبد.
سجن حضاري
وعن سنواته خلف القضبان، يقول حسين: كان السجن حضارياً يتوفر فيه لكل سجين تلفزيون وكمبيوتر واشتراك في الكابل والصحف السويسرية اليومية، إضافة إلى الحدائق والملاعب الرياضية والمهن المختلفة التي كنا نعمل فيها كالمصانع والأفران وغيرها. عملت في مكتبة السجن التي تضم عشرة آلاف كتاب. قرأت منها الكثير، ونسجت عددا من الصداقات.
وماتعلمته في 14 شهراً يعادل ما تعلمته خلال خمس عشرة سنة دراسية، أصبحت إنساناً مختلفاً جداً أكثر نضجاً واستيعاباً. عندها وقع بين يدي كتب حول الطائرات وكيفية صناعتها، بدأت أقرأ وأتوسع حول مبادئ الطيران، ثم انتقلت إلى كتب أكثر تعقيداً، وكنت أحصل على كل كتاب أطلبه حيث كانت مكتبة السجن متعاقدة مع جامعة لوزان ومكتبة جنيف الوطنية وهو ما سمح لي بقراءة المزيد والتعمق في موضوع أحببته.
حصاد السجن.. طائرة
ويروي حريري أنه بعد عودته إلى وطنه لبنان أراد أن يستثمر ما تعلمه حول ديناميكيات الطيران، فعمل بكد وجهد تسعة أشهر متواصلة وصنع طائرته الخاصة. يبلغ طولها سبعة أمتار بعرض أربعة أمتار، وزنها 400 كلغ، وسرعتها 350 كلم في الساعة، وتحتاج إلى مدرج بطول كيلومتر ليتاح لها الطيران.
وأشار حريري إلى أن عدداً من الطيارين الأجانب والمحليين عاينوها وأعجبوا بها وأبدوا استعدادهم لتجربتها. أطلعت إدارة مطار بيروت الدولي على الأمر فأبدوا دعمهم لي، واتصلوا بأحد المطارات الفرعية في الشمال لتسهيل مهمتي وإطلاقها للتجربة، على أن يتم عرضها لاحقا في ملعب بيروت البلدي وفي مختلف المناطق اللبنانية. ولفت الى أن تكلفة الطائرة ليست كبيرة، ويمكن تصنيع عدد كبير منها لاستخدامها في أغراض سياحية وزراعية.
في بال حسين أفكار عديدة ينوي تنفيذها، من ضمنها طائرة عمودية من دون أجنحة ومحرك يعمل في الغلاف الجوي والفضاء الخارجي. وطلب من الدول العربية مساعدته للإفادة مما تعلمه خلال 17 عاما من هذه الديناميكيات الجوية التي «تعود بالفائدة على الشعوب العربية»، كما قال.
بيروت ـ ثناء عطوي:
