تشير الأخبار إلى بيع الملايين من الألعاب الإلكترونية للمسنين في اليابان بعد أن بدأ العلماء بتطوير منتجات إلكترونية تناسب العجائز وتساعد في الحفاظ على نشاطهم الذهني وقدراتهم العقلية، وقد جاءت تلك الألعاب استجابة لمتطلبات كبار السن الذين يعانون من الوحدة والعزلة ووقت الفراغ الطويل عند وصولهم إلى مرحلة الشيخوخة.

وهذه الأمور مجتمعة قد تؤدي إلى حالات من الإحباط واليأس والاستسلام لفكرة نهاية العمر، وإذا كان الأمر ينطبق على المسنين في اليابان ودول الغرب فهل يجوز على المسنين في مجتمعاتنا، وهل يحتاج شيوخنا وعجائزنا إلى العاب الكترونية ليبقوا متواصلين مع الحياة والناس؟ وهل نخشى قلة العقل على الناس الذين صاروا مرجعا في خبرات الحياة ومعاركها الطاحنة؟

لا بد من الإشارة قبل كل شيء إلى أن المسنين في مجتمعاتنا يعيشون حياة اجتماعية مختلفة تماما عن حياة الآخرين في بلدان من ثقافات مختلفة، فهم في معظم الأحيان محاطون بأسرهم الكبيرة لا يشعرون بالغربة أو العزلة التي يمكن أن يعاني منها غيرهم.

والاطلاع على بعض النماذج من الحياة اليومية يمكن أن يضيء لنا حياة بعض كبار السن من الأجداد والجدات الذين يكون وجودهم بركة ونعمة في العائلة، فالوالد مصبح محمد بن شافي الكعبي له برنامج عمل يومي يبدأ مع طلوع الفجر حين يستيقظ لصلاة الفجر ويوقظ أبناءه وأحفاده.

ولا يسمح بتأخرهم عن موعد الصلاة، ثم يتوجه نحو مزرعته فيتفقد نخلها ويتابع سقيها ويتفيأ بظلالها حتى ساعة الضحى التي يعود فيها إلى مجلسه لتناول القهوة مع من تبقى من رفاق الأمس، ويذكر الحاج مصبح أنه لا يعرف وقت الفراغ «فالحياة عمل وحركة متواصلة وما يتبقى منها يكفي لساعات الراحة، والإنسان يستطيع أن يملأ وقته بالأعمال الصالحات والصلاة والعبادة إضافة إلى التواصل مع الناس والسؤال عن الأقارب والجيران».

ويجيب الحاج مصبح عن إمكانية تعلمه الكمبيوتر قائلاً «الكمبيوتر لزمان غير زماننا ولو كنت بحاجة إليه لتعلمته، فقد علمتنا الحياة ما هو أصعب منه حين لم يكن يتوفر لنا شيء فنحفر آبارنا بأيدينا ونزرع أرضنا ونقتفي الأثر ونعرف من شكل الرمل طبيعة الأرض التي نقف عليها».

أما الحاج عبدالله ضحى بن عسكر فقد استطاع أن يكون محور قريته يسأل عنه الكبير والصغير حيث يستمتعون بحكاياته ويستفيدون من عبره، وهو يمتلك من الحيوية والنشاط ما يجعله يتابع رعي مواشيه بنفسه ولا يكتفي بالاعتماد على الرعاة عنده بل يتفقدها يوميا بمحبة فإذا مرضت إحداها ترقرقت دموعه إشفاقا عليها.

وهو يقول أشعر أن كل أبناء الحي هم أولادي وأجدهم يساعدونني في كل شيء لذا لا يمكن أن أشعر بالعزلة والغربة، وكثيرا ما أضحك وأنا أشاهدهم يلعبون بالكمبيوتر أو تلك الأجهزة التي تجعل الصور تتقافز وكأن بها مسّ من الجن، وأشعر كم أن الزمن تغير بين الأمس واليوم.

ويشكل التلفزيون فرصة لمتابعة الأخبار لدى الشواب فيقول راشد سيف الكندي «أتابع أخبار العراق وفلسطين على شاشة التلفزيون ولكن ما نراه من صور يقصر العمر ويزيد الشعور بالحزن، لذا اتجه للدعاء والخروج إلى البر لأخفف عن نفسي، وأولادي لم يقصروا معي فقد وفروا لي كل شيء وجعلوني أزور مختلف البلدان».

وللجدات حكاياتهن وأوقاتهن الخاصة فالوالدة آمنة حمدان تذكر أن حياتها الآن لم تختلف كثيرا فهي تجلس عند الضحى مع جاراتها من المسنات يجمعهن فنجان القهوة وفي الغالب يكون وقتها مع الأحفاد تحكي لهم حكايات الماضي.

وهي تتذكر أيام الصبا قائلة «كانت حياتنا في الماضي سهلة نخرج فيها إلى الجبال والمزارع ويكون للعسل موسم وللرطب موسم وهما بمثابة احتفالات لنا، واليوم أصبح كل شيء متوفرا لكن الناس مشغولون عن بعضهم لذا أسأل عن جاراتي وقريباتي وإذا كانت هناك مناسبة أخذني أحد أبنائي أو أحفادي إليها، وكذلك أذهب معهم إلى السوق أو اطلب منهم ما أحتاجه فيشترونه لي».

أما الحاجة فجرة البديري (أم كريم) فتقول «قدمت من بلدي مع ولدي فهو غير متزوج ولا يوجد من يرعاه وقد أحضرني إلى هنا وذهب معي لأداء مناسك الحج، وأقضي وقتي في البيت وفي مشاهدة التلفزيون، والحياة هنا سهلة ومريحة وكل ما يهمني فيها هو القرب من ابني الغالي ولا أتركه وحيدا بعيدا عني».

ونجد في الوالدة أم عبد الله (عائشة راشد خلفان الكندي) نموذجاً مميزاً للجدة المنتجة فقد آثرت تلك المرأة أن تحافظ على تراث أهلها بتعليم بنات القرية عمل المصنوعات اليدوية من خوص النخيل وسعفه، لذلك تجدها في مجلسها تحيط بها حفيداتها اللائي تعلمن منها الكثير من الأعمال اليدوية القديمة وهي تقول «هذه أدواتنا المنزلية في الماضي نصنعها بأيدينا نستخدمها في حياتنا العادية.

وقد حرصت على تعليم الفتيات صناعتها لكي يعرفن عيشتنا الماضية، فعلمتهن من مصنوعاتنا السرود والمكبة والمشب والكفار وكذلك أعلمهن خلطة الصناع وهي خلطة عطرية كانت النساء تضعها في الأعراس والمناسبات السعيدة، وقد وجدت استجابة من فتيات المنطقة حيث يشاركن بالأعمال اليدوية في معارض المدرسة ويفخرن بما تعلمنه مني».

ونجد حياة المسنين حافلة بالكثير من الاهتمامات على الرغم من بعدها عن التقنيات الحديثة التي لا تتناسب وطبيعة المجتمع وثقافته وكذلك لا تناسب حاجات المسنين هنا، وتذكر الدكتورة عصمت ياكير متخصصة تمريض الشيخوخة ومساعدة مدير الرعاية الصحية بدبي «ان حياة المسنين في مجتمعاتنا العربية تختلف عنها في أوروبا، فالمسن العربي يعيش وسط عائلته واهتمام الأبناء به.

ورعايتهم له تجعله غير محتاج إلى ما توفره الدول الأخرى لمسنيها، لكن هذا لا يعني عدم توفير نشاطات يومية تشغل المسن وتجعله في حالة ذهنية وصحية نشطة، ولا بد أن لا تغفل العائلة أن المسن شخص محب للحياة له حاجات ورغبات بالاختلاط بالمجتمع والتواصل معه ويمكن أن يكون عنصرا فاعلا إذا ما قدمت له الفرصة المناسبة لإكمال دوره في الحياة».

في حياتنا يبقى الجد أو الجدة شمعة تضيء البيت ومصدر الحكمة لنا ولأبنائنا وحضنا دافئا نلجأ إليه في أوقات المحنة فيعطينا ما نحتاج من محبة ومواساة، فهل يوجد ما هو أجمل من وجودهم الوقور بيننا؟.

دبي ـ دلال جويد: