اللجوء إلى الدجل والشعوذة عند الكثير من الناس سواء كانوا بسطاء أو على مستوى عال من التعليم والثقافة أصبح مثل شرب الماء في حياتهم لحل مشكلاتهم وتسيير أمورهم بالنجوم والكواكب والطالع وفتح الكتاب وغيرها من الأشياء التي لا تعني إلا أن هذه النوعية من البشر ضعيفة الإيمان والإرادة في حل مشكلاتها ومواجهة أمورها.

وفي هذا التحقيق نحن لسنا بصدد استعراض حوادث الدجل والشعوذة وأسبابها، فسقوط المحتالين من الدجالين تملأ وسائل الإعلام المختلفة لكن ما يسترعي التوقف هو سقوط الآلاف من الضحايا، فأين يكمن الخلل والمشكلة ولمَ تصل الصورة الحقيقية مشوشة إلى الجمهور؟

* المشكلة في الناس

العميد خميس مطر بالمزينة (مدير إدارة التحريات والمباحث الجنائية بشرطة دبي) يلقي باللائمة على الأشخاص أنفسهم ويقول: من يستعين بالمشعوذين والمحتالين لا يقتنع انه الخاسر الوحيد، فالعصا السحرية التي تمحو المشكلات لا وجود لها على أرض الواقع، ويؤكد ان القوانين والأحكام الرادعة لمثل هؤلاء تتراوح من 2 إلى 4 سنوات سجن، كما بإمكان الضحية رفع قضية مدنية للمطالبة بأمواله خاصة في قضايا مضاعفة الأموال.

ويرفض العميد بالمزينة فكرة سد أبواب الدخول على جنسيات معينة كالأفارقة التي اشتهرت تعاملاتهم بالسحر والشعوذة موضحا انه إذا قام شخص أو أكثر من جنسية ما بخرق القانون فلا يمكن اخذ موقف من شعوب تقدر عددها بالملايين ونمنعهم من الدخول للدولة لأن فئة ضالة منهم قامت بذلك.

ويطلب من كل من يعيش على أرض الوطن أن يطرح سؤالا على نفسه: لم يضاعف الدجال أوالمشعوذ أموال الآخرين ولا يضاعف أمواله ويغني حاله؟ ولم لا ينتفع بعلمه قبل غيره، ويناشد كل مقيم على أرض الوطن إبلاغ السلطات في حالة الشك بمثل هؤلاء الدجالين في مجال مضاعفة الأموال أو غيرها، والتواصل على رقم الأمين(800-4-888) حيث سيتم التعامل مع البلاغ بسرية تامة.

وينصح العميد بالمزينة الجميع بأنه يوجد بالدولة جهاز أمني يخدم المجتمع يمكن اللجوء إليه وقت الضرورة ويحذر من دعوة الدجال إلى المنزل وإقامة علاقات سرية معه لشهور، وبعد أن تقع عملية النصب يتم الإبلاغ عنه، فقد يسجن الدجال ولكن لا يتوقع أن ترجع الأموال المنهوبة بالسرعة نفسها التي صرفت فيها النقود.

العقيد محمد صالح بداه من وزارة الداخلية يقول: حملات التوعية في مختلف الوسائل الإعلامية فرغت من مضمونها، وما عاد فيها ذلك الزخم الذي يثير المتلقي، ويتهم الإعلام غير المسؤول بلعب دور كبير في ذلك، فكثير من البرامج الإذاعية والفضائية والصحف تخصص للدجالين فرصة استعراض بطولاتهم فترفع أسهمهم لدى عامة الناس.

والمشكلة الكبرى في رأي العقيد محمد صالح تكمن في أصحاب الشهادات العليا التي لا تفكر في النتائج وتحاول التخلص من المشكلة بأي طريقة دون النظر إلى الحلول إذا كانت منطقية أو خاطئة وبالتالي النتيجة تكون وخيمة، وما نتلقاه حول ارتياد البعض الدجالين من أجل الأسهم ما هو إلا سذاجة من البعض، الذين لا يريدون العيش على أرض الواقع ويبذلون جهدهم وأموالهم فيما لا يفيد.

* الأسهم والأبراج

من هذا المنطلق قالت ريم (موظفة وربة بيت)و مضاربة في الأسهم: ذهاب الناس إلى المشعوذ من أجل فتح كتاب مضيعة للوقت والمال لأن منطق الأسهم اقتصادي بحت هو ربح وخسارة فنحن نتعامل مع سوق بالدرجة الأولى ولا نتعامل مع الخزعبلات والهرطقة.

خولة (أردنية) حالة خاصة تدور حياتها كلها في فلك الأبراج وتعول عليها في الصداقة والعمل وحتى في فرص الزواج وقد تأخر زواجها بسبب هذا الهوس وتقول:الأبراج علم وكثير من الأمور الحياتية تتوقف عليه ومعظم طالبي الزواج مني لا يتوافقون مع برجي وأنتظر الفرصة كي يأتيني الشاب المناسب في الوقت المناسب.

وهي لا تقوم بأي عمل في حياتها إلا بعد استشارة الأبراج وحتى عندما تمرض أو يصيبها مكروه ترجع السبب إلى أحد النجوم أو دخول مجال كوكب على آخر، وتنصح صديقاتها بعدم القيام بأي أمر إلا بعد استشارتها. سها تؤكد ان ظروف الحياة ومشكلاتها تجعلانا نلجأ لأمور مثل قراءة الفنجان أو الكف للتسلية والابتعاد عن الضيق رغم انها تعتقد بمقولة «كذب المنجمون ولو صدقوا».

سعيدة أم محمد مواطنة في السبعين من عمرها وتقول: هذه الأمور لم تكن موجودة في الإمارات ولم نكن نذهب إلى مشعوذين، وكنا نذهب للمطوع باعتباره أهل ثقة ونسأله في أمور الدين والدنيا، ونذهب إلى شخص متخصص لتفسير الأحلام، فإذا كان الحلم سيئا لا نبوح به لأحد ونغمسه في الرماد (نأتي برماد الفحم ونضع اليد فيه حتى يتحول الحلم إلى رماد ولا يتحقق).

علي محمد (موظف) يقول: عرف السحر المؤذي في المناطق القريبة منا وكنا نلجأ إلى علماء الدين الموثوق فيهم إما لقراءة القرآن الكريم أو للرقية الشرعية، ولم نكن نلجأ لتوافه الأمور مثل مضاعفة الأموال وغير ذلك، فالرزق من الله تعالى، وإذا كان بعض ضعاف النفوس يقومون بأذية البشر بالسحر أو الحسد، فالقرآن الكريم يحفظ الإنسان أينما حل أو ارتحل.

* سبب نفسي وشرعي

محمد محمود مصطفى (باحث ديني ومتخصص) يبدأ بالجانب الشرعي في التعامل مع الدجل والشعوذة، فيدين الذين يرون في قراءة الفنجان والودع والكوتشينة(ورق اللعب) وحتى كعك الحظ الصيني كنوع من المزاح غير الضار، ويؤكد أن هذا الزعم باطل بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:(من أتى عرافا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) ويرى أن من يقرأ حظك اليوم للمزاح أو العبث لا تقبل له صلاة لمدة أربعين يوما فكيف إذا كان يحدث هذا الأمر يوميا.

ويوضح الجانب النفسي في التكالب على الدجالين بأن عامة الناس تعلق مشكلاتها على غير الواقع، فالرجل حينما يتشاجر مع زوجته يرجع السبب إلى الجن والسحر ولا يفكر بالفروق الفردية بينهما أو لعدم مقدرته على مجابهة مشكلاته الشخصية ويقول: إنها حالات نفسية من الفشل والإحباط تدفع للذهاب إلى دجال من أجل الهروب من الواقع والبحث عن الكسب السهل والسريع.

وينبه الباحث الديني إلى ضعف المتصدرين من الدعاة لهذا الخلل، ويحمل الإعلام المسؤولية عندما يعطي المساحة لهذه النوعية من المشعوذين من اجل زيادة توزيع الصحيفة أو الإعلان في قناة معينة، ويقدم لهم دعاية مجانية بإجراء مقابلات تشهرهم دون تقديم رسالة تحذيرية للمجتمع حول هؤلاء.

دبي ـ فاطمة الشامسي