لا يمكن أن تزور مومباي من دون البحث في سبب الصورة القاتمة التي ترتسم على وجه المدينة ذات السجل التاريخي والاقتصادي القيم. حملت المدينة اسم بومباي البورتوغازي (الميناء الجميل) طيلة 400 سنة قبل أن يصدر أمر حكومي عام 1997 يعيد إلى المدينة اسمها الحقيقي الذي يبدأ بحرف الميم.

أدى النزوح إلى مومباي بحثا عن عمل إلى انتشار مظاهر التشرد والفقر، وهذا ما يبرر عيش أكثر من 60 في المئة من سكان مومباي في «خرب» لا تصلح للإقامة. ويشرح لنا دليلنا السياحي سانجاي أن أغلب القاطنين في «الخرب» إنما لجأوا إليها بسبب الفقر المدقع والبعض الآخر وجد في أسلوب الحياة هذا فرصة للاستفادة من عدم دفع فواتير الماء والكهرباء، وهؤلاء يملك معظمهم أجهزة تلفزيون وهواتف نقالة وصحون لاقطة للأقنية الفضائية.

ويقول «إن السياسيين الذين تملأ صورهم المدينة وضواحيها لعبوا دورا هاما في تغذية هذه الظاهرة إذ يتركونهم وشأنهم ليستفيدوا من أصواتهم في الانتخابات وأحيانا يدفعون لهم المال ويعدونهم بخدمات وبيوت أفضل»، ويضحك مضيفا «هناك متسولون معروفون بامتلاكهم أبنية وحسابات مصرفية يعيشون في أحزمة البؤس هذه».

يدعي سانجاي انه لم يفهم سؤالنا له عما إذا كان المشردون الذين يملأون الشوارع من أطفال وفتيات معرضين للاعتداء الجنسي أو السرقة للاتجار بهم، ويهرب بإعطائنا مبررا لوجود كل تلك الحفريات التي تملأ المدينة :

«ثمة صحوة ضمير بعد موت المئات العام الماضي بسبب الفيضانات التي اجتاحت المدينة نتيجة الأمطار الغزيرة. حكومتنا تبني لنا الاقنية لتصريف المياه ولكن يبدو أن العمل لم ينجز كما يجب والجميع خائف من تكرار المشهد في يوليو المقبل».

هروب مشرف

بدت الطريق إلى وسط المدينة طويلة لشدة وعورتها وزحمة السير الخانقة بفوضاها العارمة، وأصوات أبواق السيارات التي تكاد لا تهدأ أبدا، يغزوها عشرات المتسولين والمتسولات: هذا الذي يستحم بماء قذرة تحت جسر لم يكتمل بناؤه بعد.

وتلك تجلس على الطريق تسرح شعرها المسترسل حيث تسكن وعائلتها، بينما يمرح اثنان من أطفالها عراة، وهنا بقرة اختارت الوقوف لبضع دقائق في وسط الطريق تسد حركة المرور من دون أن يتدخل احد في إزعاجها.

سرعان ما تكتشف أثناء الانتقال من ضاحية المدينة إلى وسطها أن ثمة طرقات مخصصة فقط للرسميين والزوار المهمين والأجانب تؤمن لهم هربا مشرفا من زحمة السير التي تطبع الحياة اليومية للمدينة.

ينتقل بنا الدليل السياحي إلى كورنيش بحري تحول إلى مصب للمياه الآسنة ويحمل نسيمه روائح كريهة، يطل على مسجد «حاجي علي» المشيد على صخور في وسط مياه البحر.

وقد تم ربط المسجد بالشاطئ عبر ممر بني يدويا غالبا ما تغمره المياه عند المد والأحوال الجوية السيئة. ويتبرك بالمسجد الهنود من مختلف الأديان، بحسب الدليل، ويقصده تلامذة المدارس قبل الامتحان لطلب المساعدة والمسافر طلبا للتوفيق.

كان علي مسلما متدينا يحظى بثقة واحترام كثيرين في المدينة. قصد مكة المكرمة للحج، ولكنه شعر في طريق العودة في البحر بدنو أجله فطلب من تلامذته غسل جثته بعد موته وتكفينها ولفها بسجادة ورميها في البحر، فكان له ما أراد. حملت أمواج البحر جثة حاجي علي إلى الصخور حيث المسجد. تقول الرواية إن احد أتباعه رأى حلما يرشده إلى الصخور حيث الجثة ويطلب منه بناء مسجد في الموقع وهذا ما حصل.

نلح على الدليل لاصطحابنا إلى ما يعرف بـ «حدائق مومباي المعلقة» لنكتشف أن التسمية لم تعد تلائم ما تبقى منها بفعل الزحف السكاني. فالمنطقة وفيها أعلى نقطة في مومباي وتطل على «مارين ووك» تعتبر الأغلى ثمنا في المدينة يسكنها الأثرياء دون غيرهم، وقد تقلصت فيها المساحات الخضراء فتحولت الحديقة التي قطعت الطرقات المزدحمة أوصالها إلى مكان شبيه بأي منتزه عادي إذا صح التعبير.

من الطبيعة وإليها

في مكان قريب من المكان يشير الدليل إلى «برج السكون» وهو عبارة عن مقبرة قديمة لمجموعة دينية في الهند تدعى «البارسا». جاءت إلى الهند في القرن السادس عشر من بلاد فارس بعد مواجهات مع المسلمين. ويقول الدليل إن «البارسا» يعتقدون أنهم مدينون للطبيعة وعليهم رد شيء من هذا الجميل لها عند وفاتهم ومن هنا فإنهم يتبعون تقاليد غريبة في شعائرهم.

ولا يتزوج أبناء «البارسا» إلا في سن متأخرة ويحظر عليهم الاقتران بشخص من خارج ملتهم ما يبرر تقلص عددهم من نحو 6 ملايين إلى اقل من 50 ألف نسمة، إضافة إلى إنتشار ظاهرة الإعاقة في صفوفهم، إلا أن الدليل يلمح إلى الغنى الفاحش لعدد كبير من أبناء المجموعة والى نفوذهم الاقتصادي في الهند مبررا الأمر بعملهم في الإدارة المالية خلال فترة الاستعمار البريطاني للمنطقة.

وتأخذنا جولتنا بعد ذلك إلى معبد «جاين» لمجموعة هندوسية، أبناؤها من النباتيين المتشددين. يمتنع هؤلاء عن العمل في الجيش والزراعة لان معتقداتهم تمنعهم من قتل أي روح بشرية أو غير بشرية.

يمتنعون عن أكل اللحوم والنبات الذي ينمو تحت الأرض كالبطاطا والفجل وغيرها لان زرعها وحصادها يؤذي حيوانات تعيش في التربة. يرتدون لباسا أبيض ويغطون أفواههم عندما يتكلمون.

ملامح زمن الاستعمار

نعرج على متحف غاندي في المدينة وهو بيت رجل انكليزي احتضن المهاتما أثناء زياراته إلى مومباي تحضيرا لثورته السلمية ضد الانكليز. فيه صور ومجسمات تصور غاندي وبعض الأدوات التي كان يستخدمها.

يختلف المشهد نسبيا في وسط مومباي حيث تتخذ الشوارع والساحات أسماء تعود إلى عهد الانكليز، وتكثر المعالم العمرانية التي تشير إلى الحقبة الاستعمارية من مصابغ أقمشة مهجورة.

ومركز فيكتوريا لسكك الحديد و«غايت واي اوف انديا» الذي بني تخليدا لزيارة الملك جورج الخامس وزوجته الملكة ماري عام 1911 ولم ينته العمل فيه إلا عام 1920، وخلفه تماما يرتفع فندق «تاج محل» الشهير والفخم بمبنييه الحديث والقديم المشيد على الطراز الانكليزي.

أسواق مومباي لا تحصى ولا تعد ولكن الأرخص ثمنا منها والأوسع هي الشعبية التي تحتل الأرصفة، على الشاري المفاصلة في الأسعار حتى يحصل على السعر المعقول. مشكلة تلك الأسواق زحمتها وانتشار الروائح وغبار السيارات والكلاب الشاردة والمتسولين.

مومباي ـ كارول ياغي: