يعتبر تراث أي أمة هويتها ومفتاح ولوجها العالم الذي يرفض من لا هوية له، ومن هذا المنطلق اهتمت بلدية دبي منذ البداية في تبني عملية حماية التراث، حيث تشهد منطقة البستكية التاريخية منذ فترة ورشة كبرى تحت عنوان (من لا ماضي له.. ليس له حاضر).
تقع البستكية في المنطقة المحاذية للخور من بر دبي، وتحديدا من الجهة الجنوبية الغربية، وتبلغ مساحتها نحو ستين ألف متر مربع وبطول يصل إلى نحو مائتي متر.
ويعود تاريخ إنشاء منطقة البستكية لعام 1890 وتحتوي على ما يزيد على سبعة وخمسين مبنى تم ترميمها وتتميز بالبراجيل والزخارف الجصية وأعمال النجارة في بيوتها التي تجذب أنظار زوار المدينة، حيث تمثل مرحلة مهمة في تاريخ العمارة والتطور المدني والحضري لدبي، وقد تشكلت لتكون ركيزة مهمة من المعارف المعمارية.
وتنتشر في المنطقة البيوت التقليدية القديمة المبنية من الصخور البحرية والجص، وتتميز بالأبراج الهوائية والأحواش والطرقات الضيقة بين البيوت( السكيك) والتي تعطي ظلالا على الجدران وتساعد في سرعة زيادة الرياح، وتعتبر المنطقة من المناطق التراثية النادرة الباقية في منطقة الخليج التي حافظت على طابعها المعماري حيث يمكن للزائر الاطلاع على عناصرها التقليدية كالأبواب الخشبية المنقوشة والنوافذ الخشبية والزخارف الجصية والتيجان والأقواس.
ويقول المهندس أحمد محمود أحمد رئيس قسم الآثار التاريخية إن الهدف الأساسي من ترميم منطقة البستكية هو المحافظة على طرازها القديم الذي يتمثل بالبيوت القديمة وإثبات الهوية الإماراتية أمام الزوار، وتأهيلها لتكون على لائحة التراث العالمي.
ويوضح أن العمل في المنطقة اشتمل على مرحلتين أساسيتين هما: الأولى تمثلت بتطوير الخدمات والمرافق العامة في المنطقة وتمت في العام 1996م.
والمرحلة الثانية، بدأت عام 1996 حيث تولى قسم المباني التاريخية مشروعات الترميم لمباني المنطقة وفق برنامج عام، ومن المتوقع أن تنتهي هذه المرحلة في نهاية العام 2007، وستستخدم هذه المباني لتكون متاحف ومطاعم وأسواقا ومباني مكتبية وسكنية.
وخصصت ثلاثة مبان لتكون مقرا لقسم المباني التاريخية وشعبه الاربع: شعبة أعمال التصميم وشعبة أعمال الترميم وشعبة التأثيث الداخلي وشعبة التوعية التراثية.
ويشير المهندس أحمد إلى أن قسم المباني التاريخية يعكف حاليا على إعادة تجهيز وتأهيل المنطقة لجذب السياح والزوار، وتعريفهم بجوانب من تاريخ الدولة «وإلى جانب ذلك نقوم بتأجير بعض المباني لغاية الاستثمار السياحي، ومنها مبنى لعيادة شعبية وآخر كجاليري يتم فيه عرض رسومات فنانين من الغرب، وثالث كمركز لبيع التحف وبيت الفخار والنحاسيات ودار الحناء ومركز المعلومات السياحية وسوق السجاد.
وتم تخصيص دار للطوابع وغيرها من الموجودات التي تشكل جانبا رئيسيا في توثيق وتدوين تاريخ المنطقة، كما نعمل على تأهيل بعض المباني لتكون متاحف متخصصة منها متحف للمصكوكات يعرض تاريخها، وفاء للأجيال القادمة والامانة التاريخية».
ويتحدث المهندس أحمد عن قرب افتتاح سوق خاص بالنساء لبيع الذهب والملابس التقليدية والعطور العربية ومستلزمات المنزل، إلى جانب سوق للرجال يحتوي على ملابس رجالية وأسلحة حربية وتحف فخارية، ويوضح أخيرا انه من ضمن المنازل التي لم يتم ترميمها بعد «منزل قديم تسكنه عائلة إماراتية منذ زمن بعيد رفضت الخروج منه لتمسكها بتاريخ الآباء والأجداد».
وبعد اللقاء مع المهندس أحمد محمود أحمد ارتأينا زيارة العائلة الإماراتية للاطلاع على أسباب رفضها إخلاء المنزل، وقد روت لنا خديجة أحمد تقي الأسباب قائلة: «يصعب على زوجي ترك المنزل الذي تربى فيه منذ كان صغيرا، فهذا المنزل مع تواضعه يمثل حياتنا وتاريخنا هنا.
ولم نشتك يوما من ضيق المنزل كما لم نتلق أية تعليقات جارحة من الغير أبدا، وكثيرا ما يسألنا الناس والزوار كيف تعيشون في هذا المنزل وجيرانكم من جاليات أخرى والمنطقة أصبحت سياحية وافتقدت هدوءها الجميل، إلا أننا لا نهتم للأمر فجذورنا هنا، وقد عشت في هذا المنزل قرابة الأربعين عاما، وسأبقى هنا لآخر العمر».
تضيف : «نحن لا نشعر بالوحدة فدائما نستقبل الضيوف من الأهل والجيران القدامى ونستعيد الذكريات معا، وفي أيام رمضان تتجمع العائلة في هذا المنزل الصغير، وكذلك في الأعياد والمناسبات، رغم أن المنزل يحتاج إلى ترميم من الداخل، إلا أنه لم يرمم لصعوبة خروجنا منه في حال بدأ الترميم، لذلك الزائر يجد الترميم من الخارج فقط.
ورغم حالتنا المتواضعة وقدراتنا المادية المحدودة فإننا استطعنا أن نربي أبناءنا على أحسن وجه، وقد أكملوا دراستهم ونجحوا وهذا دليل على أننا أدينا واجبنا على أكمل وجه.
وتختم بالإعلان عن رغبتها في ترميم المنزل من الداخل حتى يصمد ولعدم وجود مكان آخر يذهبون إليه، مطالبة المسؤولين بإعادة النظر في قرار عدم ترميم المنزل من الداخل قبل خروجهم منه.
دبي ـ عهود المنصوري وموزة المطوع

