بعد انطلاقتها من القاهرة، ومرورها في الإسكندرية وعمّان، حطّت «قافلة السينما الأوروبية العربية» رحالها في بيروت، المحطّة العربية الأخيرة لها قبل انتقالها إلى مدن فرنسية وهولندية، لاستكمال عامها الأول. ذلك أن القافلة المذكورة، التي يموّلها الاتحاد الأوروبي في إطار برنامجه المعروف باسم «يوروميد الثاني للسمعيات والبصريات»،
تسعى إلى تفعيل التواصل الفني بين الضفّتين الشمالية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسّط، من خلال النتاج السينمائي، وتهدف إلى إيجاد أمكنة جغرافية وثقافية في بعض المدن العربية والأوروبية تعكس واقع الحركة السينمائية العربية والأوروبية معاً.
بمعنى آخر، فإن منظّمي هذا المشروع يأملون في مدّ جسر يربط بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، ويهدفون إلى إقامة تبادل حقيقي للخبرات والكفاءات في مجال عرض الأفلام الأوروبية والمتوسطية وترويجها، ويسعون إلى فهم أفضل ومتبادل مع الآخر،
من خلال عرض منتظم أو موسمي للأفلام السينمائية والأعمال السمعية البصرية التي تُنجز في دول شمال المتوسط وجنوبه، ويرغبون في تشكيل جمهور جديد لهذه الأفلام.
كما التقى منظّمو المشروع والمشرفون على تنفيذه عند مسألة مهمّة: ضرورة العمل على حثّ عدد من المحطّات التلفزيونية (الأرضية والفضائية) في الدول المشاركة على عرض الأفلام والبرامج السمعية والبصرية المختارة في القافلة.
في كل محطّة من هذه المحطات، عُرضت أفلام عربية وأوروبية مختلفة، إذ ليس شرطاً أن تكون البرمجة واحدة في المدن العربية والأوروبية كلّها. فعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي يموّل هذا المشروع على مدى ثلاثة أعوام،
إلاّ أن شركاءه العرب يملكون حرية اختيار الأفلام وبرمجتها، وحرية دعوة الضيوف وإقامة تظاهرات جانبية (ندوات، لقاءات، إصدار مطبوعات، إلخ.). أما الشركاء الأساسيون فهمّ: المؤسّسة المصرية «سمات (سينمائيون مستقلّون للإنتاج والتوزيع)»
و«مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية» و«شركة الروّاد للإنتاج» (عمّان) و«معهد العالم العربي» )«قسم السينما» و«بينالي السينما العربية في باريس»( و«مهرجان الفيلم العربي في روتردام» (هولندا).
في حين أنه يحقّ لكل شريك أن يتعاون مع مؤسّسات وشركات وجمعيات وأندية ثقافية محلية ومراكز ثقافية أجنبية لتنظيم تظاهرة كل محطّة، وفقاً لعلاقاته الخاصّة بهؤلاء الرعاة.
من جهتها، قالت ماجدة واصف (مديرة قسم السينما في «معهد العالم العربي» ورئيسة «بينالي السينما العربية في باريس» إن السينما العربية، منذ مطلع ثمانينيات القرن الفائت، «بدأت تتواجد بشكل دوري في باريس من خلال «مهرجان الفيلم العربي»، الذي أسّسته مجموعة من النقاد العرب والفرنسيين.
ومع بداية التسعينيات المنصرمة، صار للسينما العربية مقر دائم على ضفاف السين، هو «معهد العالم العربي» في باريس، الذي افتُتح في العام 1988. منذ ذلك الحين، ومع تأسيس «بينالي السينما العربية في باريس» في العام 1992، صار هذا المكان ملتقى للسينما العربية الجيّدة بكل أشكالها وألوانها».
وأضافت أن المعهد يشارك حالياً «في مبادرة جديدة هدفها الرئيس الخروج بهذه السينما إلى آفاق أوسع»، وذلك عبر مشروع القافلة، مشيرة إلى أن جميع المشاركين في تنفيذه يسعون «إلى مدّ أواصر التعاون والتعارف من خلال هذه القافلة المعاصرة التي تتنقل بين المدن العربية والأوروبية،
حاملة معها رؤية متجدّدة للسينمائيين الأوروبيين والعرب المعاصرين». وأعلنت أن الدورة المقبلة من ال«بينالي» (يوليو 2006) ستشهد «أيام السينما العربية الأوروبية ولياليها»، التي تُعتبر جزءا من مشروع «القافلة»، وذلك بالتعاون مع عدد من المهرجانات السينمائية العربية «التي أثبتت وجودها منذ سنوات» في خارطة المهرجانات الدولية،
مشيرةً إلى أن المشروع نفسه يسعى إلى «خلق جيل جديد من المشاهدين أكثر تعطّشاً للإنفتاح على ثقافة الصورة السينمائية العربية والأوروبية المعاصرة»، متمنية أن تكون نهاية هذا البرنامج (الذي يمتد على ثلاثة أعوام) «بداية ظهور نوعية جديدة من المشاهدين الذين يرفضون هيمنة سينما واحدة على أذواق العالم».
من ناحية أخرى، تحدّث محمد هاشم عن المحطّة اللبنانية للقافلة، إذ قال إن «كارافان السينما الأوروبية العربية» يصل إلى بيروت «كي تكتمل دائرة التواصل السينمائي بين العالم العربي والدول الأوروبية، في إطار البحث عن أداة ثقافية وفنية لتفعيل الحوار الحضاري بين الضفتين الشمالية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسّط».
وأضاف أن الأمر طبيعي «أن تُشكّل بيروت محطة أساسية في رحلة القافلة، لأنها لا تزال تلعب دور مختبر حضاري للعرب في مواكبة التحوّلات العالمية، وتمارس تلاقحاً ثقافياً بين الغرب والعرب». وشدّد على أن هناك طموحاً لدى المشرفين على رحلة القافلة «إلى تقريب ضفتي المتوسّط بين بعضهما البعض، عبر قوة الصورة وجمالية المشهد وإبداع اللغة.
هذا المتوسّط، كان دائماً أوسع من محيط، وأكبر من جغرافيا. كان ملتقى لتطلّعات الإنسان، كل إنسان، للتعارف والتبادل والتواصل، ومشاركاً فعّالاً في صناعة الإرث الحضاري للإنسانية على مرّ التاريخ». وعن علاقة مهرجان لبناني دولي مختصّ بالسينما الوثائقية بقافلة تهتمّ بالفيلم الروائي،
قال هاشم إنه «لم يكن مفاجئاً أن يشارك «مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية» في رحلة ال«كارافان» بين مصر والأردن ولبنان وهولندا وفرنسا. ذلك أن إحدى أبرز قناعات المهرجان كامنة في أهمية التبادل الثقافي والحضاري بين العرب والعالم،
وفي ضرورة البحث عن آليات ثقافية وحضارية لتفعيل التواصل بين الشعوب والمجتمعات والثقافات. لذا، لم يتردّد المهرجان عن أن يكون الشريك اللبناني للمؤسّسة المصرية «سمات» في تحقيق أكبر قدر ممكن من الفعالية الثقافية والفنية لهذين التبادل والتواصل، إذ إنه، منذ ولادته في العام 1999 وحتى اليوم،
نجح في أن يكون محطّة سنوية ثابتة ينطلق منها الفيلم الوثائقي العالمي إلى المشاهد العربي، والفيلم الوثائقي العربي إلى الشاشات العالمية». وانتهى إلى القول إن المهرجان لم يجد «أي تناقض في اهتمامه بالجانب الروائي في صناعة السينما، إلى جانب اهتمامه بالفيلم الوثائقي.
ذلك أن الحدّ الفاصل بين الروائي والوثائقي لم يكن، في يوم من الأيام، واضحاً، إلى درجة أن هناك من ذهب إلى القول إن الروائي أقرب أنواع الوثائقي إلى حلم الإنسان».
بيروت ـ نديم جرجورة