خلدون سنجاب معجزة إنسانية، حالته الصحية تشابه حالة الممثل الأميركي الراحل كريستوفر ريف أشهر من لعب دور طرازان سيد الأدغال في السينما العالمية، خلدون يقاوم المرض منذ اثنتي عشرة سنة بسلاح الصبر والإيمان، وخاض معركة شرسة ضد الإعاقة واستعطاف الآخرين، بعد أن صار قعيدا ويتحرك ويتفاعل مع الآخرين بلسانه فقط.

لم يدخل اليأس قلب خلدون، بعدما أخبره الأطباء أنه سيعيش مقعداً ومشلولاً، لأنه قفز بطريق الخطأ وهو يسبح في البحر ابتهاجاً بحصوله على علامات عالية في الثانوية العامة عام 1994 وأصر على أن يتغلب على الإعاقة بعد أن آمن أنه سيأتي يوم يعود فيه كما كان.

شعرت بحرج وأنا أطرح عليه صيغة للخروج بحوار معه، نظراً لوضعه الصحي الصعب، ولمحت له بإمكانية استضافة «البيان» له على صفحاتها، وحرصاً على الحصول على أفضل النتائج لحوارنا طلب أن نرسل له الأسئلة بالايميل، واعتقدت انه سيملي علي إجابات الأسئلة ولكني فوجئت أن لسانه وشفتيه سيجيبان عن أسئلتنا، بعد أن سلب منه القدر أية طريقة أخرى للتواصل مع الناس، حتى صوته كان غير قادر على أن يستفيد منه..!

كان لا بد أن نسأله أولاً: كيف جرى معه هذا الحادث الأليم؟ فأجاب: «في أواخر صيف الخميس الأول من سبتمبر 1994 كنت أسبح في بحر ساحل طرطوس، واعتليت قارباً كان يقترب من الشاطئ ودون أن أنتبه قفزت الى الماء الذي كان ضحلاً فارتطم رأسي بقاع البحر، وفقدت وعيي وعندما أفقت. لم أستطع الكلام، وفقدت وعيي مجدداً وبدأت بالاختناق وازرق جسمي، وتم النفخ في فمي حتى أتنفس، وبعد وصولي الى مستشفى طرطوس قرروا نقلي الى دمشق.

وأظهرت الأشعة كسراً في الناتئ السني( للفقرة الرقبية الثانية) تسبب بأذية مستديمة في النخاع الشوكي وأصبحت مشلولاً رباعياً، وأيضاً بسبب شلل الحجاب الحاجز بقيت في غرف العناية المركزة مرتبطاً بالمتنفسات لأكثر من سبعة أشهر متنقلا بين أربعة مستشفيات، وأخيراً قرر أبي استيراد متنفسة ونقلي الى المنزل.

هل أصبت بالإحباط والكآبة حينما علمت بتفاصيل وضعك الصحي الذي سيرافقك طول العمر؟ «صرت مثل إنسان تعرض للأسر وهو في كامل حريته ونشاطه، والأمور صارت عكس ما كنت أخطط له كشاب في مقتبل العمر، ولكني لم أسمح للإعاقة أن تقف ضد طموحي، وكانت معركتي رهيبة من أجل البقاء وتحقيق الحلم الذي خططت له وهو دراستي للكومبيوتر».

كيف بدأت علاقتك مع الكومبيوتر؟ «بعد بضعة أشهر من عودتي الى المنزل استأجر خالي سمير القهوجي حاسوباً لمدة شهر كانت كافية لإعادتي الى عالم البرمجة، جلبت بعض الكتب وكنت أقرأ مستعيناً بأداة لحمل الكتب صنعها لي صديقي مهران، واشترى لي خالي كومبيوتر، فبدأت بتطبيق ما تعلمته».

هل حقق لك الكمبيوتر التواصل مع العالم؟ «نعم، وبمساعدة صديقَيّ الدكتور نسيم رتيب والمهندس أسامة المصري، فمن خلالهما أصبحت أعمل في Tiger Production منذ سبتمبر 1999. الفرع البرمجي لـ Young Future, وهي شركة إعلامية ترفيهية وتعليمية للأطفال».

الأب الذي كان يستعد لدخول ابنه الطب أو الكومبيوتر، والأم التي كنت فرحتها الأولى.. كيف تعاملا مع حالة ابنهما؟ يقول خلدون «كان وقع الحادث على عائلتي في غاية القسوة خاصة أمي حنان القهوجي والتي سرعان ما أصيبت بالسرطان وتوفيت وقد بذلت أقصى ما تستطيع لعلاجي، وكانت تعمل معيدة في جامعة دمشق.

ولم يدخر أبي جهداً في معالجتي، ، وجلب لي من روسيا أفضل الأطباء الذين أجروا لي أحدث عمليات تطعيم النخاع الشوكي، ولكن النتائج لم تكن كما كنا نتوقع.

والدي عبد الكريم سنجاب مهندس معماري تخرج من سراييفو ولايزال أبي - وأختي خلود القائم الأول على رعايتي، وتأثرت شقيقتي بالحادث وكادت أن تخسر دراستها بعد وفاة أمي بسببي».

هل تبدلت علاقتك مع الأصدقاء بعد الحادث؟ «اقتصرت علاقتي مع العالم الخارجي على أصدقائي الذين يزورونني باستمرار ورزقني الله بكثير منهم وأغلبهم تعرفت عليهم بعد الحادث. وأحاطوني بالمحبة والاهتمام، ولم يتأخروا عن مد يد العون إلي».

كيف طور أصدقاؤك فأرة الكومبيوتر لتحركها بشفتيك؟ «بسبب الإعاقة لم استطع استخدام لوحة المفاتيح ولا الفأرة وكنت أتواصل مع الحاسوب من خلال موظفة، وتمكن صديقي الدكتور نسيم رتيب من صناعة فأرة استخدمها بشفتي السفلى ولساني وصرت أتواصل مع الحاسوب بنفسي، وتطورت الفأرة عبر عدة مراحل وباستخدام تطبيقي الخاص للوحة المفاتيح الفعلية أصبحت قادراً على الكتابة.

ما وضعك الصحي حاليا؟ وما الذي تفعله لتفادي الانتكاسات؟ «وضعي الصحي مستقر، وترعاني ممرضة في الصباح ويجري لي صديقي المحامي والمعالج الفيزيائي غسان عيساني معالجة فيزيائية يومية، وأقلب على كلا جنبي كل يومين لبضع ساعات، وعانيت من مشاكل القروح الصريرية وتعافيت من معظمها، عدا واحدة ظهرية، بمساعدة ابن عمي الدكتور مازن سنجاب وصديقي المهندس سامر سلمى.

ويقوم الدكتور ظافر الرفاعي بفحص أسناني ومعالجتها، وقد أصبت قبل فترة بريح صدرية متوترة تسببت في انخماص وانزياح الرئة ليسرى والقلب إلى الجانب الأيمن، وشفيت من الريح الصدرية بمساعدة صديقي الدكتور خالد محمود ويشرف علي الدكتور ماهر الحلبي عندما تسوء صحتي ويتولى صديقي المهندس أحمد غزولي صيانة جهاز المتنفسة سنوياً.

خلدون قبل أن ينهي الحوار أراد أن يوجه تحية لكل من يبتليه ربه، داعياً له بالهدى والفرج وحسن الختام، ومن موقعي أحرضه على الاستمرار بالعمل الدؤوب، فالحياة لا تنتهي بالبلاء طالما أن هنالك عقلاً سليماً وقلباً مؤمناً ولساناً ذاكراً وصديقاً صدوقاً وأملاً في رحمة الله في الدنيا والآخرة».

دبي ـ جمال آدم: