نوافذ الزجاج المعشق، خشب التيك المدهون بحب الجوز واللكر، الأقواس الجبسية المزخرفة، المشربيّات التي تطل على الأفنية الواسعة في بيوتات الشارقة القديمة، كلها أصبحت تشير بشكل أو بآخر، إلى أنشطة إبداعية أو ثقافية، تقام في هذا المكان أو ذاك، بعد أن تحولت الشارقة القديمة التي جرى ترميمها ابتداءً من عام 1993، إلى مرافق للفنون والآداب في كل من المريجة وحي الشويهيين.

فقد اكتسبت الشارقة القديمة غنيً أكبر، إلى جانب قيمتها التاريخية، منذ أن تحولت بيوتها وأبنيتها، إلى مرافق للأنشطة الفنية وصالات للعرض ومتاحف للخط والزخرفة، ومحترفات للخطاطين والتشكيليين.

وفي أغلب عواصم المدن، أصبح تحويل المناطق ذات الطابع الشرقي إلى أمكنة خاصة ظاهرة مميزة، تسترد فيها نسائم الماضي ويحتفى بها بتقديم العديد من أنواع الفنون، الحديثة منها والفلكلورية، فتتواشج الأزمنة، وتتداخل النكهات الأصيلة في تلك الردهات القديمة التي تكتنز خلاصة الماضي وأصداءه الأصيلة.

حي الشويهيين:

يمثل حي الشويهيين أو ( منطقة الفنون) كما أصبح يطلق عليه اليوم، ساحة تتكامل في أنحائها، سلسلة من المرافق التي تحتضن الانشطة الفنية والثقافية، وتساهم في اجتذاب شريحة واسعة من المهتمين بالفنون والسياح الذين يقصدون هذه المنطقة، لطابعها التاريخي من جهة وللتعرف على فنون هذه المنطقة، أو رؤية الأعمال التي تنتج تحت الأسقف التي ترجع إلى أكثر من (150) عاماً.

تضم ساحة الفنون، جمعية الإمارت للفنون التشكيلية، متحف الشارقة للفنون ورواق الشارقة للفنون، ومعهد الشارقة للفنون وهو ذاته بيت السركال، البيت ذو القيمة التاريخية والجمالية.

وهو يرجع في اصوله إلى (عيسى بن عبد اللطيف السركال) الذي كان يشغل منصب الوكيل المعتمد لبريطانيا في ساحل عمان، ثم آل البيت إلى المرحوم الشيخ محمد بن صقر القاسمي، وهذا البيت مربع الشكل بطوابق ثلاثة، يحتوي على أربع وعشرين غرفة، تحولت الآن إلى مشاغل ومراسم للطلبة والمدرسين.

امتاز البيت بعناصره المعمارية البديعة، مثل الأعمدة المدورة والمربعة والتيجان والعقود نصف الدائرية والمدببة والنوافذ المطعمة بالزجاج الملون البديع.

في حي الشويهيين، يختلط اليومي بالتاريخي، والخالد بالعابر، وتصطخب حركة البيع والشراء في السوق الإيراني القديم، وعبر مشهد السفن القديمة بحركتها الرائعة وهي تفرغ البضائع وتحملها من ميناء الشارقة الشهير.

باكستانيون، هنود، عرب، أجانب، الى جانب إماراتيين، يخبون في صخب الحياة اليومية، كل يتنفس هواءه الخاص وأحلامه الخاصة، ويأخذ فسحة في ساحة الفنون، أو يسند ظهره على أحد الجدران القديمة.

أو يدلف من أحد أبواب بيت عبيد الشامسي أو (رواق الشارقة للفنون) كما أصبح يطلق عليه اليوم، لينظر إلى البيت البديع الذي تحول إلى صالة لعرض الاعمال الفنية، ومحترفات لفنانين من جنسيات مختلفة وثقافات مختلفة، سوريين، سودانيين، عراقيين، أجانب، وكل يفرش ألوانه بطريقته، وبما اختزنت ريشته من شمس طفولته البعيدة، لتنسكب هاهنا في الشارقة.

وفي ردهات بيت عبيد الشامسي ذي البنية المعمارية البديعة، فالبيت يقع على طابقين، وقد بني من الحجر المرجاني والحصى والجبس، ثم صنعت أبوابه من خشب التيك الهندي، وتم تزيينه بزخارف بديعة وبأقواس وتيجان متعددة الأشكال.

وفي فنائه الواسع أقيم العديد من الامسيات الشعرية والورش الفنية، وقدمت عروض مسرحية وندوات فكرية متنوعة، كل ذلك في ردهات البيت الذي استعاد حياته وانفاسه بطريقة تليق بقيمته التاريخية وأبعاده الجمالية.

هنا تتقاطع اللحظة الراهنة مع الماضي، وتتكشف على الآتي وهو يتجلى عبر التأسيس للقيم الحقيقية والجمالية التي تنتمي في تكوينها إلى الطاقة الروحية التي شيدت تلك الأوابد التي لايمكن لها أن تغادر الذاكرة.