طبيعي أن يحرص أصحاب محلات الـ «كوفي شوب» على إضفاء لمسات جمالية لجذب الزبائن، ودفع الملل عن جلساتهم، فالمرتادون أصبحوا لا يسعون فقط لتناول المشروبات، بل يبحثون عن جاذبيتها كي تسعفهم على إزجاء الفراغ دون ضجر، ومن ثم نجد تنافساً بين هذه المحلات على تقديم كل ما يريح البصر والأعصاب عبر الديكورات والموسيقى والجلسات المريحة.

لكن ما وجدناه في كوفي شوب «الدولتشي فيتا» في مركز الفردان بالشارقة كان استثنائياً مقارنة بما هو سائد. فقد أراد صاحبه نوري الكيخيا ليبي الجنسية أن يشمل محله بجانب من نظرته الخاصة وتكوينه الثقافي، فقد اختار، على سبيل المثال، اسم المقهى من إحدى روائع المخرج الإيطالي الشهير «فيلليني» الذي شاهد فيلمه في باريس عام 1960.

ما يميز المكان هو تضمينه مكتبة تشتمل على معارف مختلفة ومنتقاة بوعي خاص وملحوظ،فضلا عن عدد من اللوحات المصورة لجداريات نحاسية منحوتة للفنان الإيطالي جون ماريا بوتنسا.

تبدأ حكاية المقهى على صورته الحالية وكما يسردها الكيخيا بأن الفكرة التي حلم بها لم تخرج عن نطاق الورق أثناء إقامته في أميركا، حيث كان يسعى إلى إنشاء مكتبة لخدمة الجاليات العربية المقيمة في منطقة فيرجينيا، .

وأن يلحق بها ركن لتناول مشروب الاكسبريسو. ثم تطورت الفكرة، ورقيا، إلى إنشاء مكتبة بمختلف اللغات لخدمة أكبر عدد ممكن من الناس، إضافة إلى جاليري يمارس فيه التشكيليون إبداعاتهم، وكذلك تخصيص مكان لبيع تذاكر السفر للزوار العرب.

وشاءت الظروف أن يرسل أحد أصدقاء نوري تأشيرة زيارة لدولة الإمارات في أواسط التسعينات، وعندما اكتشف الرجل أن أرض الإمارات هي المكان الأنسب لتحقيق حلمه ومشروعه الذي لم يبرح ذهنه وورقه حتى هذه اللحظة فوجد ضالته في مركز الفردان بالشارقة باعتباره وقتئذ أول «مول» في الإمارة.

ويبتهج الكيخيا حين تذكر إشادة زوار المقهى بفكرة المكتبة حتى إن بعض المثقفين أهدوه نسخاً من إصداراتهم لوضعها ضمن رفوفها.

ويعترف نوري أن الكتب الموجودة اشتراها ضمن مزاجه الثقافي وهمومه السياسية، فنجد عناوين لشعراء كبار مثل محمد الماغوط ومحمود درويش ونزار قباني، والمتنبي، وبعض الأعمال عن حقوق الإنسان وقضية فلسطين، وتاريخ الحضارات وموسوعة لالاند الفلسفية.

ويبدي نوري سعادته كلما وجد أحد زبائنه يتصفح كتاباً أو يطالع العمل النحتي الذي يتوسط المكان، والذي اقتناه خلال وجوده في إيطاليا من الفنان الإيطالي بوتنسا وأطلق عليه «يونيفرسوم» وهي كلمة لاتينية تعني «الكون».

وفي هذا السياق يروي نوري حكاية اللوحات الكثيرة التي تزين أحد جدران المقهى مضيفة إحساسا بالدهشة والتأمل من ضخامة الأعمال المصورة،.

حيث يقول :إن هذا الفنان الإيطالي كان قد حضر إلى إحدى دورات البينالي بالشارقة وسمع أن أحد أعماله يوجد في مقهى بالشارقة، فسارع بالتعرف إليه مبدياً رغبته أن يمنحه عدداً من صور أعماله المنحوتة التي تتوسط كثيرا من ميادين العالم، فاستجاب الفنان لطلب الكيخيا.

ورغم الثقافة التي تلف تفاصيل المكان إلا أن نوري الكيخيا يشعر بغصة تجاه كثرة محلات الكوفي شوب التي استقطبت عدداً كبيراً من زبائن المقهى، ومع ذلك فإن حلمه لن يتوقف طالما يؤمن أن الجمال العقلي والوجداني يستحق الصبر والانتظار حتى تصبح لمحلات الكوفي شوب متعتها الحقيقية.

مجدي أبوزيد