دراسة حديثة خرجت من جامعة فرانكفورت بألمانيا أكدت أن أكثر الأشخاص المعرضين للاكتئاب الذين يعملون في مهن معينة مثل المضيفين الجويين وموظفي المبيعات والعاملين في مراكز الاتصالات لأنهم مرغمون علي التظاهر بأن يكونوا ودودين في تعاملهم مع الزبائن ومضطرين إلى رسم البسمة علي وجوههم طوال الوقت،
وقالت الدراسة إنه في كل مرة يعمد فيها الشخص الذي يعمل في هذه المهن إلى أخفاء مشاعره الحقيقية تكون هناك عواقب وخيمة وتحدث نتائج سلبية تضر بصحته، وخلصت الدراسة إلى أن تظاهر المرء بالمودة والابتسام الدائم في علاقاته مع الآخرين رغما عنه وضد أرادته لا يؤدي إلا إلى أصابته بالكآبة.
جويل مضيفة طيران تعتبر نفسها من الشخصيات التي تنتهج الابتسام أسلوبا لحياتها لأنها تعتبر أن الابتسام والضحك يجلبان السعادة والتفاؤل لصاحبها، وترى أن الابتسامة تمنح الوجه تقاسيما مسالمة تجعل الآخرين يرتاحون للشخص
وهذا ما يجب أن تكون عليه مضيفة جوية يجب أن تتحلي بالصبر وطول البال رغم عملها الشاق الذي يتطلب منها السفر الطويل والعمل في أوقات غير ملائمة، والتعامل مع أصناف عديدة من البشر، منهم من يسافرون للمرة الأولى ومن يصاب بالخوف من فكرة ركوبة الطائرة وغيرها.
وتوضح جويل أن الابتسامة لا تقتصر مهمتها على الترحيب بالمسافرين فقط بل وفي تهدئة روعهم وتطمينهم في حال وجود مطبات هوائية تهتز لها الطائرة أو في حال الإقلاع أو الهبوط وغيرها من الأمور التي تسبب القلق للركاب الذين يتجهون بنظرهم مباشرة إلى طاقم الضيافة ليعرفوا ما الذي يحدث علي متن الطائرة، وهؤلاء يشعرون بالراحة عندما يروننا نبتسم في وجوههم.
رانيا قيماز مديرة العلاقات العامة والتسويق في فندق انتركونتيننتال أبوظبي تقول إن الابتسامة مهمة في الحياة وليس العمل فقط، فهي أقصر الطرق للوصول مباشرة إلى القلوب، وعملي الذي أقدم فيه الخدمات للآخرين لابد وأن أتعامل معهم كما أفعل في بيتي عندما أستقبل ضيفا، بالترحاب وبشاشة الوجه،
ولا يصح أن أتعامل بغير ذلك، حتى يشعر أنه إنسان مرحب به ومرغوب فيه، ونحن في العلاقات العامة نتعامل مع جميع الفئات والجنسيات، لذلك لابد من التعامل بود وبابتسام دائم، لأن الابتسام يدل على أن هناك مجالا للأخذ والعطاء، وأيضاً ان كتمان المشاعر الحقيقية كالضيق أو الغيظ تولد ضغطا على أعصاب الشخص،
وتكرار هذا الضغط قد يولد الانفجار الداخلي الذي يؤدي إلى المرض، أو الخروج عن الصواب وتؤكد رانيا أنها اعتمدت أسلوب الابتسام أيضاً للتعبير عن الغضب تجاه موقف ما وتحاول من خلال الابتسام أن تقرر للآخر ما الذي يضايقها، وهذا يخفف عنها الضغوط التي من الممكن أن تصيبها.
جويس بوصادر مذيعة المنوعات في فضائية أبوظبي تبذل مجهودا مضاعفا لإخفاء ضيقها عن الآخرين خاصة أمام الشاشة حتى لا تكون ضيفا ثقيلا على المشاهدين وتقول ان مشكلتها الحقيقية في عدم قدرتها على اخفاء حقيقة مشاعرها، وهذا يجعلها تتأثر نفسيا عندما تحاول ارتداء القناع الذي تخفي به وجهها الحقيقي
وما يجول في خاطرها حتى تبدو بصورة طبيعية يرتاح إليها المشاهد، وتشبه ما تفعله بالممثلة التي تتقمص شخصية أخرى مكتوبة على الورق، وتقول إن هناك أمورا يجب أن ندرب عليها أنفسنا لأنها مفروضة علينا بسبب العمل أو المجاملة الاجتماعية وغيرها.
وهذا يقوله أيضا محمد عبدالله والذي يعمل في تسويق قروض البنوك ويضيف علي أن أبتسم دائما حتى أجذب الزبائن وأجعلهم يقتنعون بما أحاول ترويجه لهم وإلا نفر مني الناس وأنهى البنك خدماتي، وربما الابتسام الدائم الذي أصنعه بنفسي لأجمل وجهي يتحول الى تكشيرة كبيرة تنطبع على كافة ملامحي عندما أعود إلى المنزل وأتذكر المواضيع التي تضايقني.
الابتسامة صدقة
الدكتور عبدالعزيز علي حسن الخبير الدولي في التسويق والتنمية البشرية في كلية دبي الجامعية يقول انه خلال دراسة أجراها عن الابتسامة في فن البيع في لندن مقارنة بالدول العربية تأكد له أن الباعة في لندن لا تفارق وجوهم الابتسامة وهم يتعاملون مع الزبائن حتى لو عاد هؤلاء لإعادة البضائع التي اشتروها من قبل على العكس من ذلك الباعة في بلادنا العربية
والذي يتعاملون بتكشيرة ووجوه يكسوها الغضب اذا حاول الزبون اعادة السلعة بل وتضع معظم المحلات لافتة كتب عليها البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل، ويتم هذا رغم أن ديننا الحنيف يدعو إلى الابتسام، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال تبسمك في وجه أخيك صدقة.
والابتسامة لها سحر عجيب في التسويق الذي امتد ليشمل كل مناحي الحياة، فلم يعد التسويق قاصرا على البضائع فقط ولكنه يشمل خدمات الصحة والبنوك وتسويق المنظمات والأفكار والبرامج، بل وتسويق الأشخاص أنفسهم في حملاتهم الإعلانية كالانتخابات وغيرها، حتى الخاطبة التي تسهل التعارف للزواج هي أيضا تعمل في التسويق، لذلك يجب أن تكون البسمة حقيقية وغير مصطنعة
لأن العميل عندما يكتشف زيف تلك الابتسامة سيحتقر من يسوق له السلع ويبتعد عنه، لذلك قبل أن اطلب من الموظف الموجود في مؤسستي ان يبتسم في وجوه العملاء على المؤسسة أن تجعله سعيدا حتى يجذب العملاء
وذلك بأن يكون هناك نظام جيد للعمل وتطوير موارده البشرية ومنحهم حقوقهم وتحفيزهم على العمل، والموظف هنا عميل داخلي للمؤسسة وهناك معادلة تقول عميل داخلي سعيد يساوي عميل خارجي سعيد، وعميل داخلي مكشر يساوي عميل خارجي حزين.
وضعنا الدراسة الألمانية حول الابتسامة والاكتئاب أمام الدكتور عابد بومغيصيب استشاري الأمراض النفسية والعصبية الذي رفض ما توصلت إليه الدراسة مؤكدا أن هؤلاء الذين يتعاملون مع الجمهور أو هؤلاء الذين يعملون في مجال التمثيل هم أقل الناس إصابة بالأمراض أو الاكتئاب لأنهم يقومون بعمل يبتعد كثيرا عن الروتين والملل والرتابة،
وأن الاكتئاب لا يصيب ناسا بعينهم حسب مجال عملهم ولكنه يصيب كل الذين يتعرضون لأزمات عاطفية، أو مرضية أو اقتصادية أو سياسية، والضغوط الأسرية، كما أن لسوء التغذية دورا في الموضوع كذلك تناول بعض العقاقير مثل أدوية الضغط أو الحمل أو المخدرات، كما أن الاكتئاب يزداد مع كبار السن والنساء أثناء الحمل وبعد الولادة وسن اليأس فالاكتئاب سهم يصيب هؤلاء الناس أكثر من غيرهم.
أبوظبي ـ إيمان قنديل