أخبار الإرهاب وأحداثه العنيفة وصوره الدامية، مادة تبث يومياً على شاشات القنوات الفضائية الإخبارية بصراحة ووضوح ومصحوبة بالتحليل والتعليقات.

وبقدر أهمية الحدث بقدر ما يمثل بثه مشكلة خطيرة على الأطفال والمراهقين أي على الفئة المسماة بـ «الهشة»، ويصبح السؤال المطروح الآن : إلى أي مدى تلتزم القنوات الإخبارية بمبادئ المهنة وأخلاقياتها في بث ما يحدث، خاصة أن ما نراه الآن أشبه بسباق فضائي يقوم على التسويق والترويج دون اعتبار للضرر الذي قد يصيب الفئات «الهشة».

الدكتور فهد بن عبد العزيز العسكر الأستاذ بقسم الإعلام بجامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية يؤكد أن بث أخبار الإرهاب يومياً على الفضائيات يؤثر في المجتمع بصفة عامة،ويوضح أنه بالرغم من أن المنظمات ووسائل الإعلام الغربية.

وضعت العديد من المبادئ المهنية الهادفة إلى توجيه التغطيات الإعلامية للأحداث الإرهابية، إلا أن عددا من المتغيرات السياسية والاقتصادية أثرت في منطلقات وأهداف التغطيات الإعلامية للأحداث الإرهابية.

ويضيف د. فهد أنه قام بدراسة مع زميله عبد الله منصور حول هذه الظاهرة المتنامية وركزا على عدد من القنوات الفضائية العربية وخلصا إلى أن بعض هذه القنوات تأثرت بشكل مباشر إما بالمصالح السياسية المحلية أو بالضغوط الأميركية والأوروبية، ويقول :

قمنا بهذه الدراسة من أجل تقويم منطلقات تغطية القنوات الإخبارية الفضائية العربية لقضايا الإرهاب التي تقع داخل المنطقة العربية، وعلى الرغم من أن خدمة المصالح الوطنية لا تمثل نقيصة في حق الإعلام العابر للحدود إذ «ليس هناك إعلام لوجه الله» .

كما يرى محمد حسنين هيكل إلا أن الإشكالية الرئيسية التي تواجهها القنوات الإخبارية تتمثل في ان بعض الدول العربية لا تمتلك الاستراتيجيات الكفيلة بتوظيف قنواتها الفضائية لخدمة سياساتها الخارجية ومصالحها الوطنية فتمنعها من تغطية الأحداث الحساسة والمؤثرة التي تقع في الدول نفسها.

الدكتور إيف بادييو وهو أستاذ فرنسي في الصحافة والاتصال بجامعة مرسيليا : يعتبر القناة الأميركية C.N.N تبوأت الصدارة منذ الثمانينات وبداية التسعينات،ودخلت في مواجهة مع قنوات عربية وأوروبية.

وبات من الضروري أن ينشط الفاعلون في المشهد السمعي البصري كمستهلكين ومستثمرين ومعدلين لسوق تخضع لقانون العرض والطلب للمحتويات التلفزية، ويؤكد أن صانعي المحتويات يربحون معركة فرض بضاعة تربك القيم الاجتماعية للبلدان المستهلكة.

وأن تعرض الطفل أو المراهق لهذه المحتويات الضارة والمخالفة للمبادئ السوية يثير حيرة الباحثين والدارسين والمجتمع ككل،ويطالب الحكومات بفرض قانون يمنع بث كل ما يضر هذه الفئة على الشاشات أو «الآلة المجنونة» كما يحب أن يطلق عليها.

مبادئ تغطية الإرهاب

يرى الدكتور عبد الله ناصر الحمود الأستاذ المساعد بقسم الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أن نجاح القنوات الفضائية في تغطيتها للأحداث الإرهابية يقتضي التزام هذه القنوات بعدة مبادئ مهنية وأخلاقية حددتها الجمعيات الإعلامية الدولية والتي تتمثل في ضرورة استقلال القنوات الفضائية.

وتمتعها بالحياد وامتناعها عن تبني وجهات نظر معينة، أو حتى المشاركة في التفاوض مع الإرهابيين ومنطلق ذلك كله القناعة بأن حل المواقف المترتبة على الأحداث الإرهابية ليس عمل الإعلاميين.

وتدعو مبادئ المهنة إلى ضرورة تقدير مسؤولي هذه القنوات للانعكاسات السلبية المحتملة للمواد التي يتم عرضها خاصة مشاهد العنف وتداعياته وبيانات وتصريحات قادة الجماعات الإرهابية ومشاهد قتل الضحايا والتفجيرات.

مع ضرورة إدراك مسؤولي هذه القنوات لمسؤولياتهم الأخلاقية، حيث يتعين تبعا لما أفضت إليه التطورات التقنية الحديثة من فضل التلازم بين السيادة الإعلامية والسيادة السياسية إلى الحد الذي لم تعد معه الحكومات قادرة على الوقوف في وجه البث الفضائي، وأن تسهم القنوات التلفزيونية العابرة للحدود بشكل إيجابي في الجهود الهادفة لدعم الأمن الوطني.

ويرى مدير معهد الصحافة والاتصال بتونس الأستاذ محمد حمدان«أن ظاهرة العنف والترويج لها مثيرة للجدل منذ زمن، وهناك من يرى أن تفجير العنف في القنوات الإخبارية الفضائية يؤدي إلى امتصاص العنف من الشباب، ومنهم من يعتبر أن الترويج للعنف يمثل قدوة لجيل الشباب ويدفعهم بالتالي إلى تقليد النماذج المطروحة من خلال الشاشة.

وهناك من يرى أن وسائل الإعلام لا يجب أن تعطي الفرصة للإرهابيين للتعريف بأنفسهم، ومنهم من يرى أن عدم الإعلام بالعنف يعتبر حرماناً للمشاهد من حقه في الإعلام. ويضيف حمدان :

الجدل مطروح والحسم صعب لأنه حتى الآن لا توجد أبحاث علمية تؤكد مدى صحة الاتجاه والاتجاه المقارب».

الأستاذ بمعهد الصحافة والاتصال منصف العياري يرى أن «موجة القنوات الإخبارية الخاصة التي احتلتنا منذ بداية التسعينات أضرت المجتمع أكثر مما نفعته لأنها تكرس لتخدير الشعوب وتسعى للربح السريع دون أي اعتبار للضرر الناتج عن بث صور المجازر والإرهاب فغايتها الوحيدة هي تحقيق السبق والمتاجرة بالخبر».

ويرى العياري أن «حل هذه الأزمة بتحرر هذه القنوات الإخبارية من سيطرة رأس المال والحكومات، وأن تراعي نفسية المشاهد العربي التي تتمثل في التعاطف مع الحدث.

كما يجب أن تتمثل القنوات العربية بالقنوات الإخبارية الغربية والتي تصنف الأخبار، فكل ما يتعلق بالعنف لا يعرض إلا في أوقات محددة مساءً حتى لا تتاح الفرصة للأطفال والمراهقين لمشاهدة الحدث الذي ربما يؤثر عليهم مستقبلاً بعد أن تعودت أعينهم على مشاهدته ويصبح بالتالي سهلا عليهم التأثر به لدرجة الدخول فيه».

تونس ـ ضحى السعفي: