حرف ومهن سادت في الماضي ثم بادت بفضل التقنيات الحديثة ،وتحول الإنسان من الاعتماد على صناعة حاجياته بيديه، إلى استيرادها من الآخرين، ومن المهن والحرف التي ارتبطت بالإنسان في الدول الخليجية منذ عشرات السنين: الجلافة والحدادة والنجارة وصناعة الشباك، وأصبحت في ذاكرة الزمن، وقليل جداً من يتداولها بالصناعة اليوم.
وعبر جولات متواصلة التقينا بعضا من الشخصيات التي كان لها صولات وجولات في ميدان الحرف، خاصة وان البعض منهم تركها للعمل في مجال آخر، بينما ظل الآخرون يحيونها من خلال عروض التراث في القرى التراثية أو من خلال المهرجانات التي تقام سنوياً.
سعيد الختال يعيدنا إلى الزمن البعيد، إلى البحر والسفر وحرفة الجلافة، يقول: عشقت البحر وعمري 12 عاماً، وأصبحت نوخذة وأنا في سن يافعة، وأبحرت إلى كثير من الموانئ، وأخيراً استقر بي الحال في جلافة السفن وبنائها، ثم الانطلاق بها إلى موانئ الكويت وعدن وجيبوتي والصومال والهند وباكستان.
ويتحدث عن عائلته التي ينتمي لها ويقول: عائلتنا هم أبناء عبدالله بن خليفة آل بومهير ارتبطت بالبحر مثل بقية أبناء المنطقة الذي كان مصدر رزقهم الرئيسي الغوص وتجارة اللؤلؤ.
والتحول الذي اعتبره مهماً في حياتي هو عندما اشتريت أول سفينة من نوع «الجالبوت» وسافرت بها إلى البحرين، وهناك شاهدني عبدالله بن هندي وكان يملك سفينة من نوع آخر «البوم» وأردت مقايضتها بالجالبوت وعرضت عليه سفينتي وعليها 400 روبية فقبل، وكان القرار الذي اتخذته أغضب والدي وأعمامي.
تشاء الصدف أن تلعب دورها، فأثناء الجدل حول السفينة بيني وبين والدي جاء رسول من علي بن عبدالله العويس يقول (إذاً في السفينة حمولة وعليها عمال عليهم أن يبقوا فيها وأن آتي إليه) فذهبنا إلى منزله لمعرفة دعوته المفاجئة.
واستبق الوالد الحديث قائلاً له: إن ابني أخطأ في شراء السفينة، وانه إذا أراد شراءها فلا يمانع، فرد العويس أنه يريدها في أمر آخر وعنده حمولة يريد أن ينقلها إلى الهند، وعرض مبلغ 18 ألف روبية.
كما عرض شراء حمولتها من التمر، فأجبناه بالموافقة، فالعرض فعلاً كان مغرياً، وخرجنا أنا والوالد فرحين بالاتفاق، وأخذت جزءاً كبيرا من المال وأعطيته للوالد لتسيير أعماله طالباً منه الدعاء لي في رحلتي.
ويختتم الخيال حديثه ويقول: كانت حياتنا سفرا ومشقة وترحالا في طلب الرزق، وكانت السفن تقوم بأعمال كثيرة منها نقل الناس والبضائع واستعمالها للغوص، وهي اليوم موجودة ولكن مهمتها أصبحت لنقل البضائع إلى الموانئ المجاورة، بعد أن أصبحت العبارات الكبيرة تقوم بنقل المسافرين عبر المحيطات.
الحدادة من الماضي
حسن السيد مراد بدأ حديثه معرفاً أدواته: المطرقة الغليظة والسندان والمنفاخ والمقص والمبرد، وهي الأشياء الأساسية، وهناك أدوات أخرى استعملها في صناعة السيوف والخناجر.
أما الحدادة فهي حرفة تقوم على استخدام مادة الحديد وتحويره في أشكال كالمقابض وأعمدة الحفر والسكاكين والمناجل والمجارف والسلاسل وغيرها، وأغلب العاملين بهذه الحرف من كبار السن، وتعتبر الحدادة من المهن المعروفة منذ القدم ولها أسواقها المشهورة في دول الخليج.
حيث اعتمد عليها الناس في كثير من أمور حياتهم، كما تعد من الحرف التي تحتاج إلى مهارة وتعلم، وهي شاقة تتطلب قوة التحمل والجلد، فالعامل فيها يتعامل مع النار وقطع الحديد والمطرقة الغليظة.
ويواصل حديثه: كنا نستعمل في حرفتنا الفحم الحجري، الذي يتم استيراده من الهند وإيران وإفريقيا، بينما يجلب الكيروسين (الكاز) من عبادان في صفائح معدنية كانت تغسل فيما بعد.
وتستخدم في بيع التمور، ومن الأشياء التي كنا نصنعها في الماضي القداديم جمع قدوم، والمسامير الكبيرة تستعمل للأبواب، وأيضاً في صناعة السفن، وحرفتنا أصبحت من الماضي.
وصار الناس يعتمدون على الأشياء المستوردة، ونحييها فقط من خلال المهرجانات التي تقام سنوياً في أكثر من إمارة وفيها نعيد للأجيال تاريخ أبائهم وأجدادهم.
شبكة الصياد
ضاحي براق تجاوز الستين من العمر، عمل في صناعة الديين أكثر من 50 عاماً، ومازال يتنقل بين المنامة ودبي والشارقة حتى اليوم، يقول عن حرفته: صناعة شبكة الصيد تركّزت في المناطق الساحلية ،ويعمل فيها كبار السن من الإمارات والبحرين والكويت، والبعض عمل في الساليه أو الديين، ومن الحرف القديمة التي ارتبطت بالغوص وصيد الأسماك.
ونظراً لاندثار صيد اللؤلؤ وتوفر الشباك التجاري، فلم تعد هناك حاجة لها اليوم، وكل ما نقوم به حاليا هو استعراضها أمام زائري المهرجانات الشعبية والتراثية.
ويضيف ضاحي :كلمة غزل نستعملها كثيرا لأن تسميتها جاءت لكون الشباك يغزل محليا، ومن مزاياه ان يظل قويا وأفضل من المصنع تجاريا، الذي لا يستمر طويلا، وكنا في الماضي نصنع الشباك بأشكاله السالية، الياروف، المنصب، القرقور، الكوفه.
وتستعمل في صيد الأسماك، ويختلف الحرفيون في عملها، وعملية التجهيز كانت تستغرق منا في صناعة السالية أكثر من 12 يوما، بينما الديين يمكن تجهيز ثلاثة منه في اليوم الواحد.
باب النجار مخلوع
أحمد صالح حسين الهمش 70 عاماً، عمل نجاراً منذ كان عمره عشرة أعوام، عن تجربته يقول: عندما قرر والدي السفر إلى دبي اصطحبني معه وعمري آنذاك عشرة أعوام، وسكنا في الشندغة نفس موقع قرية التراث حالياً، حيث كانت بيوتها من جريد النخل وسكانها من أسر معروفة اليوم.
ونزل والدي عند أحد من الشخصيات الكبيرة في الشندغة، ثم اشتغل نوخذة وظل يتنقل بين الموانئ القريبة، بينما أخذني جمعة الأملح لأعمل معه (تباب) في سمبوك كان يملكه لمدة سنة وعملت معه مقابل أجرة بسيطة سبع روبيات كل ثلاثة أشهر.
وبعد سنة واحدة فضلت أن أتعلم صنعة النجارة بعدما علمت نفسي بنفسي، وكان دخلي منها خمس روبيات في اليوم ،وبعد اتقاني الصنعة زاد دخلي اليومي وأصبح عشر روبيات.
ويضيف الهمش: كانت حاجة الناس في تلك الفترة أكثر ل«البيبان والدرايش» وعادة الباب يتكون من عدة قطع منها ما نسميه (مصراع، مافي، جمل أو فحل).
إضافة إلى الزخرفة التي نقوم بها، والمرافع التي تستخدم للمصاحف وغيرها من الأدوات التي يحتاج لها الإنسان في تلك الفترة، كذلك عملت في صيانة السفن الصغيرة التي كانت أساساً من صنع النجار، وكل الأشياء التي نقوم بها كنا نستخدم من خلالها أدوات وعددا بدائية مثل:
مغزل الشعر والمقدح والقوس وقدوم ومناجر مختلفة المقاسات ومسحل ومنشار ورنده وأحياناً نطلق عليها فارة وغيرها من الوسائل القديمة التي أصبحت اليوم من أدوات الماضي في ظل وجود وسائل حديثة وورش نجارة تقوم بصناعة كل حاجات الناس بأشكال فنية وهندسية.
جميل محسن