فقدت الأوساط الثقافية والأدبية علماً من كبار الشعراء العرب في العصر الحديث، فقد توفي الشاعر السوري محمد الماغوط عن عمر يناهز الـ 73 عاماً عصر أمس في العاصمة السورية دمشق إثر جلطة دماغية.

الماغوط جاء إلى دبي في الثامن من مارس الماضي ليتسلم جائزة الشعر من مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية. كان يتنقل عبر كرسيه المتحرك وبرفقته طبيبه الخاص، وكان واضحاً عليه التعب والارهاق، لكنه لم يتخل أبداً عن ابتسامته الساخرة التي ما فارقت فمه هازئاً بالحياة، مدركاً أنه هزمها طويلاً وان الآوان ليعطيها ظهره ويرحل.

ولد محمد الماغوط في مدينة السلمية وسط سوريا في فبراير عام 1934، عاش طفولته في بؤس وحرمان، عرف السجن مبكراً وخلف قضبانه راح يصوغ نصوصه بفرادة وضعته في مقدمة شعراء الحداثة العرب.

قاده الشعر إلى المسرح فأبدع فيه إلى جانب القصيدة، وكان شعره ساخراً هازئاً بالعالم، وكأنه لا يريد منه شيئاً سوى حريته، وكان يرى أن الكتابة الساخرة هي «ذروة الألم» وأن الإنسان الذي يكون جدياً دائماً هو بالضرورة إنسان مريض.

انتسب الماغوط إلى كلية الزراعة في جامعة دمشق، ولكنه سرعان ما انسحب منها. دخل السجن عام 1955 وكان يكتب أشعاره على أوراق التبغ ويهربها إلى الشاعرة سنية صالح زوجته وأم ابنتيه (شام وسلاف)، فكانت مجموعته الأولى «حزن في ضوء القمر» عام 1959 عن مجلة شعر في بيروت.

حيث أمضى الماغوط في لبنان فترة من عمره غريباً ووحيداً قاده بعدها صديقه أدونيس إلى مقر مجلة شعر مقدماً إياه بواحدة من قصائده المختلفة ليصبح بعدها الماغوط حداً فاصلاً في قصيدة النثر العربية وكأنما يصح القول قبل الماغوط وبعد الماغوط.

ثم أصدر الراحل مجموعته الثانية «غرفة بملايين الجدران» عام 1964، واتبعها بـ «الفرح ليس مهنتي» عام 1970، وجميعها كانت مغايرة ومختلفة وبسيطة إلى درجة ان الشعر العربي المعاصر لم يكن يذكر دون محمد الماغوط .

كتب الماغوط رواية واحدة بعنوان «الأرجوحة» وعدداً من المسرحيات أبرزها «العصفور الأحدب» و«المارسيلياز العربي» و«المهرج» و«غربة» و«كاسك يا وطن». بالإضافة إلى فيلمين سينمائيين «الحدود» و«التقرير»، وبين هذا وذاك كانت هناك أعمال تلفزيونية منها: «حكايا الليل ووادي المسك».

ولم ينقطع عن الكتابة الصحافية التي ضمها في كتاب «سأخون وطني» ثم عاد إلى الشعر بـ «سياف الزهور». ترك الماغوط إرثاً أدبياً ستتذكره الأجيال، كما ترك مدرسة شعرية قائمة على البساطة والعفوية وهذا سرّ انتشاره الكبير في الأوساط الثقافية العربية والشابة تحديداً، فقد كان يخاطب فيها الرعب والحرية.

مات الماغوط بعد مرور أقل من شهر على تسلّمه جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للشعر، ولا تزال بقايا كلماته ترنّ في الذاكرة عندما قلنا له: هل ستأتي إلى دبي لاستلام الجائزة؟ أجاب لقد فتحت ورشة صحية في جسدي إذا ما أغلقتها، ربما استطعت المجيء.

لقد أغلق الماغوط ورشته الصحية مؤقتاً.. لكنه فتح في الشعر العربي نافذة واسعة تطل على الحرية.

حسين درويش