البذخ وحب الظهور في المجتمع صار فوق التحمل، وعبئا كبيرا على الأسر واقتحم أدق خصوصيات مجتمعنا المحلي مثل تقديم واجب العزاء وهو واجب ديني اجتماعي، وتحولت مجالس العزاء لدى الرجال والنساء في الفترة الأخيرة إلى اظهار الترف وزيادة البذخ في المصاريف والمظاهر الزائفة.
في جلسة نسائية جمعتني بثمان سيدات تحاورنا حول أغرب ما شاهدنه خلال أيام العزاء وكيف ان مجلس العزاء النسائي هو (مكسار) أي حفل زفاف بسبب المبالغة بمصاريفه التي لا أسباب لها.
تحدثنا أم احمد ( ربة بيت):
في الماضي لم تكن هذه المصاريف الكبيرة وكان الأهم هو تطييب خاطر أهل الميت والأجر، وكنا نشرب القهوة وأحيانا لا نشربها ولا نشرب حتى قطرة ماء، نقدم واجب العزاء فقط، ونترحم على الميت .
وزيارتنا لا تستغرق سوى دقائق معدودة، ولكنها تؤكد أنه لا نستطيع تعميم الظاهرة في مجتمعنا فمازالت المناطق الشرقية تتبع العادات الأصيلة ولم تجرفها المدنية حيث لا يشعل نار في بيت أهل الميت بل يتناوب الجيران على توفير دلال القهوة وغدائهم وعشائهم.
أم مها «مدرسة»: ندخل إلى العزاء (لمة) نسائية تدور حول فلانة تزوجت وأخرى تطلقت، ولكن توجد أيضاً بعض النساء الملتزمات اللاتي يطلبن بأدب ذكر الله والترحم على الميت.
وقالت أم محمد: إن تطويل الجلوس في العزاء يؤدي لحدوث الشجار بين النساء حول مواضيع تافهة أو تصفية حسابات سابقة يقوم أهل الميت بالفصل في الشجار بينما المفروض مراعاة حزنهم.
و قالت إحدى الحاضرات في الجلسة: أما الملابس التي يحضر بها البعض العزاء لا تليق، فليس المطلوب ارتداء الملابس السوداء بل الابتعاد عن لبس الملابس المزركشة والشيل والعباءة التي يصل تطريزها لمنتصف الظهر، فلكل موقف ملابسه الخاصة به، وبعضهن يأتين للعزاء بكامل ماكياجهن دون مراعاة للميت وأهله؟!
ومن المفارقات المضحكة تقول أم مها: قالت لي إحدى صاحبة الصالونات إن إحدى الزبونات طلبت منها ماكياجا للعزاء، وردت عليها بدهشة حول ماهية ماكياج العزاء؟؟، وأفهمتها انها بصدد حضور عزاء وبحاجة لماكياج خفيف يتوافق مع المناسبة الحزينة.
من جهة أخرى تقول فوزية ( موظفة): تنتقد استئجار بعض العائلات صبابات للشاي والقهوة وتحمل نفقات إضافية لأن النساء يقبعن طويلا، ولا تستطيع العائلة من منطلق الضيافة القيام بخدمتهن بشكل مرضي، كما أن الجلوس الطويل لا يترك مكانا للأخريات القادمات لتقديم العزاء.
عائشة ( موظفة وربة بيت) تنتقد هي الأخرى دخول للنساء بأحذيتهن إلى داخل المجالس والغرف، دون أي احترام، هذه أمكنة قد يقوم الناس بالصلاة فيها.
فاطمة ( موظفة) حضرت عزاء وكانت الأم المكلومة تبكي ابنتها الشابة المتوفيه بحرقة، بينما امرأة في العزاء تضحك ملء فمها وهي تتجاذب الحديث مع صاحبتها ثم قامت إحدى الحاضرات بتنبيهها، لقد كان موقفا مؤلما للجميع.
ويسخن الحديث عندما تذكر ام احمد موقف حدث لها تقول: ذهبت لتقديم واجب العزاء لجيراني ولوجه الله تبرعت لخدمة ضيوفهم وليتني لم أفعل حيث قدمت مجموعة كبيرة من النساء للعزاء وتم ضيافتهن بالقهوة ثم العصير وقمنا بتطييبهم بالعود وعندما وصل الوقت إلى موعد الغداء تم طلب أكل من المطعم وجبة مشوي وهريس وخمير.
وأعدنا الكرة من جديد قهوة وشاي وحلويات وعصائر ولم يتحركن قيد أنملة حتى العشاء ووضعت لهن أيضا مائدة، ثم استأذنت بالخروج وفي اليوم التالي عرفت انهن غادرن في الساعة 12 ليلا وطوال هذه الساعات لا ذكر للميت أو الدعاء بل جلسة لغط في لغط.
وطرحت تساؤل على النساء ما الحل برأيكم في هذه الظاهرة ؟
تقول نادية انه على أهل الميت عدم الانصراف إلى ما يقوله الناس لأنهم معذورون فظرفهم صعب ولكن على المعزين احترام مشاعرهم والعادات والدين وأذكر ان بعض النساء يطلبن أموراً محددة أو مشروباً أو وجبة والموقف لا يستدعي ذلك، وتطلب من القائمين في مجال الشؤون الإسلامية توعية الناس حول هذا التصرف المنافي للشريعة الإسلامية.
توضح مريم موظفة أن تكاليف العزاء أصبحت مرهقة مثل الخطوبة أو حفل الزفاف حتى ان الناس بدأت تحدد أوقاتاً للعزاء من اجل التهرب، أو أحيانا لتقليد تصرف بعض الأسر الغنية في هذا الشأن.
أم حسين (مدرسة) تدعو وسائل الإعلام إلى تقديم الحلول للظاهرة التي تراها في تزايد، وأن يتم تسليط الضوء عليها، وان المغالاة من بعض الأسر لا داعي لها حتى لا يتحول الأمر إلى واقع اجتماعي بالنسبة للأجيال القادمة.
وتعترض نجاة على النشر في الصحف وتحديد مدة العزاء بثلاثة أيام فقط، فقد ينشغل الإنسان أو يكون في سفر أو يسكن في منطقة بعيدة ولا يستطيع القدوم في الأوقات المحددة، فهل سيطرد من على الأبواب وكأنه سيطلب منهم معروفا أو مالا!!
عتيقة (موظفة) تقول: حضرت عزاء لعائلة سودانية وشاهدت النساء يقفن عند عتبة الباب يقرأن الفاتحة ثم يقدمن واجب العزاء وبثوان يخرجن لا قهوة ولا غيره، في البيت يكون عزاؤئنا خفيفاً مثلهم.
مظاهر البذخ
يبدأ بشراء أطقم فناجين وأكواب للشاي والقهوة والصحون خاصة الغنج ( صحون طولية بلاستيكية أو ستيل) إضافة إلى دلال القهوة والشاي وأواني التقديم وجميعها ذات لون وتصميم متشابه.
ثم شراء الحرارات (حافظات الحرارة للطعام) المصنوعة من الاستيل أو البلاستيك والغالية الثمن وبأحجام متنوعة وبأعداد من خمس إلى ما فوق.
ابتياع دخون وعود( للتطيب) خاص للعزاء، والمعروف أن تولة العود تبدأ من 300 إلى عشرة آلاف درهم وما فوق، حسب النوعية والكمية المطلوبة هذا إلى جانب العطور الشرقية المركزة.
ثم قائمة المشروبات للمعزين مثل قهوة، شاي، زنجبيل، زعتر، نعناع، شاي أحمر سليماني أو بالحليب، حليب بالزعفران أو بالزعتر أو الزنجبيل، نسكافيه، كابوتشينو، مشروبات غازية وعصائر طازجة ثم جاتوه وبسكويت وشيكولاته والقائمة طويلة.
وإذا لم يوجد تبعث الخادمة على السريع إلى البقالة القريبة ليجلب المطلوب وكأننا في فندق خمس نجوم. ابتياع صناديق المياه والمشروبات الغازية بمعدل عشرة إلى عشرين صندوقاً يوميا، وبأحجام صغيرة ومتوسطة وكبيرة.
أما إذا صدف وقت الفطور أو الغداء أو العشاء فطاولات الضيافة مما طاب ولذ من عائلة المتوفى والأهل والأصدقاء وبطلبيات خاصة من مطعم ومطابخ شعبية والفاتورة في اليوم الواحد تبدأ من الألف درهم وما فوق.
والسفرة عليها الوجبة الرئيسية مشوي( دجاج أو لحم)، سمك مشوي، عيش( أرز) لحم أو دجاج أو سمك، هريس، عرسية بالدجاج، أحيانا خبز الخمير، البلاليط ( الشعيرية) وأنواع مختلفة من الفطائر ومن المأكولات العربية المحاشي بأنواعها، الطواجن، التبولة والحمص، والمتبل والسلطات بأنواعها والحلو أيضا.
فاطمة الشامسي