تزخر حفلات الزفاف في موريتانيا بالكثير من الطقوس الاجتماعية المثيرة للدهشة والاستغراب، ففي الأعراس تكتظ صالات الحناء والزينة بأهل العروس وصديقاتها، وتزدحم أسواق الملابس، وتبتهج بائعات العود والعنبر والبخور، حيث سيبعن كل ما بقي من بضاعة ظلت مكدسة في انتظار عروس تطل من هنا أو هناك.
وفي محلات الملابس الرجالية يتغير إيقاع الحياة وسط صيحات الباعة والزبائن وصرخات الموضة، فالدراريع والأحذية والقمصان والعطور وما شاكلها متوفرة والسعر يحدده البائع وليس الزبون.
وتختلف العادات في مراسيم الزواج وطقوس ليلة العرس باختلاف الظروف الاقتصادية والعقليات السائدة لدى كل أسرة، فبينما تختصر بعض الأسر على قراءة الفاتحة إيذاناً بإعلان الشعيرة الدينية المتمثلة في الزواج، تبالغ أسر أخرى في تكاليف الزواج حتى تبدو حفلة الزفاف كحدث أسطوري تنفق فيه الأموال وتنشد الأهازيج والمواويل وتقام المآدب والذبائح إمعانا في المباهاة والتفاخر.
وفي ليلة العرس الأولى تقوم صديقات العروس بـ «الترواغ» وهو إخفاء العروس في مكان مجهول حتى يعطي أصحاب العريس ما يسمونها بـ «العادة» وهي تختلف حسب المناطق والجهات فأحيانا تكون وليمة ضخمة تقام على شرفهن، وأحيانا تكون مبالغ مالية طائلة، وفي حال رفض أصحاب العريس الوفاء بالعادة يصبح الخيار المتاح أمامهن هو إخفاء العروس كأنسب رد لديهن،
وفي هذه الحالة يجد أصحاب العريس أنفسهم مرغمين على القيام بعملية بحث وتمشيط لكل منازل القرية أو المدينة ورصد مكافآت مالية لمن يرشد إلى مكانها، وكثيرا ما تنتهي هذه اللعبة المسلية بانتصار صديقات العروس وذلك بتحقيق مطالبهن.
وعند عقد الزفاف يتجه أعيان القرية إلى مكان أهل العروس وتتجمهر النساء والأطفال في انتظار انتهاء مراسيم العقد، لتنطلق الزغاريد وتقرع الطبول، ويقوم أصدقاء العريس بإطلاق العيارات النارية في الهواء ابتهاجا بهذا الحدث الكبير.
وعند المغيب تنصب الخيام خارج الحي حيث سيتم «المروح» وهو زف العروس إلى زوجها لنصف ساعة فقط بحضور أصحابه وصديقاتها وجمع من أهل القرية، وفي هذه الخيام يقام حفل غنائي راقص تحييه كوكبة من فناني البلد، ويتطلب الأمر من أصدقاء العروس دخول ساحة الرقص وتقديم استعراض رائع سيتباهى به الكل طيلة أيام العرس.
وتختلف فترة العرس باختلاف الجهات ففي بعض المناطق تستمر الطقوس سبعة أيام بلياليها بينما لا يتجاوز الأمر لدى مناطق أخرى ليلة واحدة.وفي محاولة لمواجهة غلاء المهور قامت بعض المناطق الريفية بسن قوانين تشترط على الزوج دفع مبلغ لا يتجاوز 100 دولار من دون مؤخر للصداق مقابل أن يلتزم بتكاليف الشقة وأثاثها،
بينما أبقت بعض المناطق على وضعية الصداق بحالها والتي تتجاوز أربعة آلاف دولار، من دون مؤخر، لكنها اشترطت على المرأة أن تتحمل تكاليف تأثيث منزلها الجديد.وعندما تزف العروس إلى بيت زوجها تأتي وهي ترتدي ملحفة وجلبابا تتشحان بالسواد، للتعبير عن أسفها على مغادرة منزل أهلها والتوجه إلى عش الزوجية، وعندما تبكي العروس كما هي العادة تقوم صديقاتها بشدو أغنية « هذا لا يبكي» المشهورة للتخفيف عنها.
وتفرض الأعراف والتقاليد على المرأة عدم ذكر اسم زوجها والتعبير عنه أثناء الحديث بضمير الغائب «هو»، كما أن عليها أن لا تنسب أي شيء في الدار لنفسها كالأثاث أو الأواني، إمعانا في التدلل، وحتى لا تقع في غلط بعد الطلاق بان تنسب ما كان لها في السابق لنفسها ففي الأمر فضيحة وعار لا يمحوه الزمن،
خاصة ان المجتمع الموريتاني يعاني من تفشي ظاهرة الطلاق، حيث تنتهي الكثير من الزيجات في هذا البلد بالطلاق قبل أن تصل في بعض الأحيان سنة واحدة، حيث تظهر الإحصائيات الرسمية أن نسبة الطلاق تزيد في المجتمع الموريتاني على 37%، وتوضح أن أكثر من 70% من الزيجات الأولى كثيرا ما تنتهي بالطلاق قبل أن تتجاوز السنوات الخمس.
نواكشوط ـ بشير ولد ببانه