تدخل الخان القديمة فتعيدك إلى مشاهد المدن المهجورة التي وصفها السندباد في رحلاته المدهشة، فالمدينة التي كبرت في أحضان الشاطئ غادرها أهلها الى البيوت الحديثة وحياة الرخاء، وبقيت الأبواب مفتوحة ولكن خلت البيوت من الناس والأشياء والأسرار، وبقيت نخلات قاومت العزلة والوحشة وبعض من نبات الأشخر وحشائش نبتت على المطر، ولا نجد حياة في المنطقة إلا في مسجديها اللذين يدعوان الناس للصلاة فيلبون طائعين.

ذكريات المدينة القديمة وحكاياتها يحدثنا عنها خليفة بن قصمول أحد الرواة في إدارة التراث بالشارقة وابن القرية القديمة الذي ترعرع في بيوتها وأمضى طفولته على شواطئها فيقول: عاش أهلنا مستخدمين خيرات البحر فقد عملوا في صيد اللؤلؤ، وكذلك صيد السمك مستخدمين طرق الصيد التقليدية القديمة مثل القراقير والليخ وغيرها.

وكان هناك تعاون بين الناس في العمل وصناعة أدوات الصيد وحتى بناء البيوت، وكان القلاف «صانع السفن» يعد الخشب القادم من الهند لصناعة مراكب الصيد والغوص مثل الشاحوف والهوري والصمعا والجالبوت، وفي الخان القديمة كان هناك سوق صغير لبيع السمك، وفي مواسم الصيد يباع السمك في سوق الشارقة.

ويأتي الحديث عن المدينة القديمة فيقول: «كانت الخان مقسمة الى أربعة فرجان هي فريج الشرق في أول الخان وفريج الشيوخ في الوسط وفريج راس الماشة قرب الممزر ثم فريج العيم» وكانت البيوت تبنى من الحصا الذي يجلب من الجزر الموجودة في البحر، وأحيانا كانوا يأتون بالصخور من أعماق البحر ويضعونها على الشاطئ ويرشونها بالماء العذب أو ينتظرون من المطر، ويبنون بها الجدران، أما السقوف فتبنى من «الجندل» ثم يوضع فوقها المنقور وهي حصران مصنوعة من القصب يأتون بها من البصرة ويغطي بها السقف ثم يوضع فوقها الجص أو «الجرة» وهو يشبه الرمل الأحمر الناعم، وتغلف الحيطان بالجص، ويكون حجم البيت حسب حجم العائلة وقدراتها المادية إذ يسكن بعض الفقراء في خيام من سعف النخيل .

ويضيف خليفة بن قصمول: «كان في الخان مدارس خاصة تعلم القرآن الكريم يدرس فيها المطوع، وقد تعلمت القرآن على يد المطوع المرحوم خميس وخا، وكانت أجرة المدرسة كل أسبوع ربع درهم يدفعها الأهالي يوم الخميس، ويدرس الأولاد صباحا ومساء، وعندما يختم الصبي القرآن يعطي الأهل للمطوع درهمين، وبعدها يدور الصغار في المنطقة وينشدون التومينة، ويبارك الناس للطفل الذي يختم القرآن ويقدمون الحلوى أو العيش أو الدراهم وتكون هذه الهدايا موجهة للمطوع تقديرا لجهوده مع الصغار في تحفيظ القرآن الكريم.

ويسترسل، بن قصمول في وصف حياة الماضي قائلا «كان في الخان ثلاثة أنواع من الماء، الماء العذب للشاي والقهوة يأتي به الناس من طوى في الغبيبة، وماء الشرب من طوى في الخالدية أما ماء الغسل فمن البرك التي تحفر في المساجد وقرب البيوت، ومن نعم الله سبحانه وتعالى أن ماء البرك في المساجد في أيام الحر يكون باردا وبالعكس في أيام الشتاء وفي البرودة الشديدة يكون دافئا أو معتدلا لا يصعب الوضوء به، وكانت المناطق المحيطة بنا عامرة ببساتين النخيل فقد كانت الخالدية كلها نخيل وخضرة، والحياة عامرة بالخير والتعاون».

وعن مجالس الخان يقول: وصاحب المجلس يكون رجلا معروفا ميسور الحال وغالبا يكون نوخذة، ويأتي الناس إلى مجلسه ليساعدهم في الزواج حيث يقوم بدعوة الناس إلى المجلس ويقدم لهم الفوالة التي تكون من المنفوش والرهش والساكو، والفرني واللقيمات والفريد والخبيص والقرص، وبعد أن يقوم بضيافة الناس وأصحاب المجالس الأخرى يضع صحنا فارغا، تجمع فيه النقود للمعرس، وكل شخص يقدم ما يستطيع ويستمر المجلس لمدة أسبوع، وبعدها يقدم المال المتوفر لإتمام الزواج.

كانت الأسعار رخيصة جدا في الماضي فكيس العيش ذو المئة كيلو بسبعة دراهم، لذا كان الرجل يتزوج ويقيم العرس بسهولة ويسر حيث يضمن له التكافل وتعاون الناس فيما بينهم القدرة على تأسيس البيت وتكوين العائلة الجديدة، وأبناء الخان حتى اليوم يتواصلون مع بعضهم ويتفقدون من يغيب عن الصلاة، فلم يغيرنا ـ نحن كبار السن ـ الانتقال الى المساكن الحديثة أو العيش في هذا الرخاء، ولم يبعدنا عن عاداتنا وتقاليدنا واهتمامنا بالأقارب والجيران والسؤال عنهم».

والخان القديمة الآن أصبحت معلما تراثيا ، وقد بدأت دائرة التراث بعملية ترميم واسعة للبيوت القديمة والمعالم المختلفة لتعيد المنطقة إلى ماضيها المشرق.

الشارقة ـ دلال جويد: