مازالت «ام مطر» تصر على حياكة برقع المرأة وعقال الرجل مؤكدة الطلب عليهما حتى اليوم بالرغم من تبدل الأحوال وتغير الزمن واختلاف قناعات الناس، وتقول: «البرقع من العادات والتقاليد المتناهية في القدم،

ومعظم النساء الخليجيات يتفنن في تركيبه ويستعملنه حتى الفتيات يلبسنه اليوم ولكن بتصميم أكثر جمالا، والمرأة الإماراتية مازالت حريصة على هذا التراث، وعليها اليوم ان تساهم من جديد في أحيائه، وتقديمه بأجمل حلة كي لا يبقى لوحة معلقة على الجدران».

لقاؤنا مع «أم مطر» لم يكن صدفة، فهي واحدة من أبرز صناع البرقع، وهي تروي أن استيراد قماشه كان يتم من الهند، وبداية نقرض القماش (نقصه) لنحصل على (طبجة) أي كمية كبيرة في البراقع بقياس واحد ثم نبدأ بخياطة كل برقع على حدة بدقة متناهية.

يحتاج البرقع الواحد إلى ساعات طويلة من العمل ولطالما سهرنا الليالي على ضوء السراج لانجازه لانه كان احد مصادر رزقنا».وتقول «أم مطر» : «ظهرت أسماء كثيرة للبرقع منها (النيل وشمس وظل)، والغريب ان الفتيات هجرن البرقع، بينما النساء الكبيرات مازلن يتمسكن به،

وهناك شكل آخر وهو نوع من القماش السميك يشبه (الورق) ذهبي اللون يميل إلى السواد مع مرور الزمن وكثرة الاستعمال، تغطى به المرأة أهم معالم وجهها، ويثبت البرقع على الوجه بواسطة خيوط حمراء مجدولة وتسمى خيوط الشبج، وفي المناسبات والأعراس تستخدم المرأة خيوطاً فضية أو ذهبية بدلاً عن خيوط الشبج الحمراء».

حرفة «أم مطر» لم تقتصر على البرقع، بل هي تعلمت أيضاً حرفاً أخرى مثل الصبغ، كنت اصبغ القماش الأبيض بواسطة الرمان للحصول على اللون الوردي وبذور (الورس) للحصول على اللون الأصفر، ومن شجرة القرط كنت احصل على اللون الأسود وكان القماش يترك منقوعاً لمدة أسبوع قبل البدء باستخدامه».

تحدثنا أيضاً عن العقال أو الخزام. تقول: العقال الذي يستعمله الرجل الخليجي اليوم يختلف عما كان يلبسه الرجل قبل عشرات السنين، والعقال القديم هو عبارة عن رباط من الصوف او القماش يستخدمه الرجل لتثبيت الغترة، ولم يعرف العقال كلباس على الرأس في منطقة الخليج إلا في فترة متأخرة، وقبل ذلك كانت «العصابة» هي المستعملة،

وهي الأصل في لباس الرأس عند أهل الإمارات، ومن أنواع العقل «الخزام» وهو حبل رفيع يخزم به الناقة والبعير، وهو نوع من أنواع العقل كان يصنع من الصوف أو الوبر على شكل حبلين طويلين، لهما نهايتان تدخل إحداهما فيما يشبه العقدة لتثبيته على الرأس، ويصبغ باللون الأسود، ومثل هذه الحرف التي تعلمناها ونحن صغار انطلقنا بها من المثل القائل «تعلم كل مهرة واتركها وان حاجك الزمن ارجع لها».

وفي ختام اللقاء توجز سهيلة بنت عبدالله حميد الكتبي مشوار حياتها الطويل فتروي: توفي والدي وأنا طفلة صغيرة، وفي سن الأربع سنوات لحقته والدتي، لذلك كانت حياتي صعبة جداً، وبفضل من الله وبجهود ذاتية، علمت نفسي كثيراً من الحرف الخاصة بالنساء،

ومن خلال احتكاكي بكبيرات السن اللائي كنت أشاهدن وهن يغزلن ويصبغن ويحيكن الصوف والزرابيل ويصنعن العقل، منهن تعلمت وأصبحت فيما بعد اعتمد على نفسي، فتعلمت الغزل وهو من أقدم الحرف التي احترفتها المرأة، أما اليوم فلم اعد اكتفي بالحياكة والتطريز بل اعلمها لمن أردن من النساء والفتيات.

الكثيرات وأنا منهن نفضل ان نلبس مما نصنعه بأيدينا وان يكون منتجا محليا، والتمسك بمثل هذه العادات هي قناعات فردية ولكنها في الأخير تنعكس على أبنائنا وبناتنا وتحضهم على التمسك بها،

كذلك التعامل مع التقنيات الحديثة لا يمنعنا التعاطي معها واستعمالها، وأنا شخصيا يوجد في بيتي كل أشكال الصناعة الحديثة ويلبس أبنائي أفخر وأجود الملابس المستوردة، كما أني أتعامل مع الموبايل خاصة عندما أكون بعيدة عن أبنائي.. أليس هذا ما يسمونه مقرب البعيد

دبي ـ جميل محسن