تتواعد جوليا وصديقاتها على «صبحيّة» في الهواء الطلق في احد مقاهي مرسى دبي. بعد شراء الحاجيات من سوبر ماركت هناك، تأخذ ربات البيوت الأربع مواقعهن المعتادة في مقهى تثرثرن وتتبادلن الخبرات والنصائح المتعلقة بهموم العائلة والزواج والغربة.

لولا ضجة ورش البناء الناشطة في المنطقة لامكن سماع صوت البحر وطيور النورس البيضاء الرائعة. رغم ذلك يبدو المكان أكثر هدوءاً وحميمية من فترات العصر والمساء خصوصا أيام الإجازات.

تسير مجموعة من السياح الأجانب على الرصيف المقابل للمطاعم والمقاهي المنتشرة على طول رصيف المرسى. تدل ملامحهم على أنهم من اليابان أو كوريا أو ربما الصين، معظمهم من كبار السن يلتقطون الصور ويتسامرون بإعجاب تعكسه ضحكاتهم وتعابير وجوههم وحركتهم على الرصيف الطويل.

يخبرهم المرشد السياحي المرافق بان المرسى لم يكن موجودا قبل 3 سنوات وما يرونه هو من صنع الإنسان. ينظر السياح إلى الأعلى تكرارا للتمعن أكثر بتضاريس الأبنية التي يحتضنها هذا الجزء من المرسى، وتكثر الأسئلة والتكهنات.

تحتل يخوت بيضاء فخمة بأحجام وأشكال وتصاميم مثيرة للاهتمام،جزءا من الميناء. تتجلى من خلالها حياة الترف والرفاهية التي بدأت تتركز في المكان، بعضها يرفع راية الإمارات والبعض أعلاما بيضاء وزرقاء. وفي إحدى طبقات المباني المجاورة منتجع صحي ذات علامة تجارية عالمية معظم رواده من الأجانب الوافدين إلى الدولة أو السياح الذين حجزوا فيه جلسة عبر الانترنت.

يتكئ مرسى دبي على مجموعات كبيرة من ناطحات السحاب السكنية والفندقية، لكل منها شكل هندسي مختلف عن الآخر، مثقل بالتفاصيل. انتهى العمل في بعض تلك الأبراج، وباتت مأهولة، ولكن معظمها لا يزال قيد الإنشاء.

يمثل الجدار الخارجي المزين بصور فوتوغرافية عملاقة تعكس أجواء الحياة السعيدة المتوقعة في المرسى، أول إشارة مرئية تدل على موقع المشروع. من المتوقع أن ينتهي هذا المنتجع الذي يتميز بواجهة مائية صناعية تمتد 11 كيلو متراً يسكن بين أحضانها حوالي 50 ألف نسمة، خلال السنوات القليلة المقبلة.

رومانسية المساء

المشهد المسائي يختلف عن الصباحي، بصخبه المتمثل بوجود عدد كبير من الأطفال الذين يرافقون ذويهم إلى مكان يشكل لهم فرصة لا تفوت للعب واكتشاف كل جديد. أول ما يبهرهم نافورة مياه كبيرة، يخرج الماء من فتحات صغيرة متراصة على مستوى الرصيف بشكل عمودي مفاجئ، وتدريجي على شكل دوائر متداخلة تبدأ صغيرة ثم تتسع.

يرصد الأطفال بنظرة شقية حركة النوافير، ثم تمتد الأيدي لملامسة الماء، على إيقاع تحذير الأهل، ولكن سرعان ما يتحول الفضول إلى تحد يشارك فيه الجميع قفزا ووقوفا بين الدوائر لمبارزة الماء المندفع من الأرض إلى الأعلى. يتبلل الصغار، ويخلع بعضهم أحذيتهم طلبا لمزيد من الحرية، ويصير صياح أولياء الأموروتنبيهاتهم في خبر كان.

ومع حلول الظلام يضع المرسى رداء مختلفا مرصعا بالأنوار والأضواء المنبعثة من المباني المحيطة المأهولة والشاغرة أيضا، مانحا المكان صورة بانورامية رومانسية، تشبه إلى حد بعيد نيويورك أو مرسيليا...

موائد عالمية ولكن

يتبدل الزوار فيغلب عنصر الشباب والأزواج والأصحاب، ويكثر الأجانب الذين يجدون في المقاهي العربية المنتشرة في المكان ملاذا رائعا لتناول النرجيلة وشرب الشاي والقهوة العربية، وتذوق بعض الحلويات المغمسة بالقطر وماء الزهر والورد.

جون (ايرلندي) وفريدة (إيرانية) وأصدقاؤهم من الرواد الدائمين لمقاهي المرسى خصوصا العربية منها» فبعد يوم عمل طويل وشاق، يبدو الهرب إلى هذا المكان أمرا مستحبا لنا جميعا، نتحدث في كل شيء إلا شؤون العمل»، تقول فريدة.

«أصبح النادلون العاملون في المقهى أصدقاءنا، إذا اطلنا الغيبة يسألوننا عن السبب، كثير من الوجوه هنا تبدو مألوفة»، تضيف فريدة، التي يتبين لاحقا أنها تسكن في شقة صغيرة في أحد الأبنية المحيطة بالمرسى.

وتغلب لساعات رائحة الطعام على عبير البحر، ودخان عشرات «الشيش» المشتعلة بنكهات لا تحصى ولا تعد، كلها تدل على تنوع الموائد والأطباق المتاح تذوقها. تختلط الأمور على الحواس وتجعل اختيار مطعم لتناول العشاء من بين كثير من المطاعم أمر صعب، مع وجود العربي والايطالي والهندي والتايلاندي والصيني والأميركي والانجليزي والعالمي، وأخرى متخصصة بثمار البحر وأسماكه.

تقول ريما(لبنانية) إن سحر المكان ودفئه يكفيان لان يكونا سببا في زيارته أكثر من مرة، لكنها تحمل عتبا على ما مستوى خدمة بعض المطاعم ونوعية الطعام التي تقدم. فاحد هذه المطاعم الذي يملك فروعا خارج المرسى أيضا،وفي إمارات أخرى يضع في الأطباق «عينات من الطعام» لا تكفي للتذوق.

وفي مطعم آخر تتحول أنواع «البيتزا» الايطالية إلى فطائر غريبة اقل من عادية، وبعض السلطات وأطباق «الباستا» تشبه كل شيء إلا الاسم الذي تحمله. عتب آخر لمريم (إماراتية) أشبه باحتجاج على «وصول مجالس النراجيل إلى الرصيف لجهة البحر فيصير المار من المكان مطوقا بزحمة الجالسين ودخان ليس مجبرا على استنشاقه».

لا يمكن للناظر إلى أفق المرسى تخيل شكل المكان بعد سنوات قليلة، هو حتماً مكان مفعم بالحياة المترفة يحمل المرء على أن يحلم بأنه من سكان إحدى ناطحات السحاب،أو نزيل احد الفنادق الفخمة الراسية فيه، أو متنزها على رصيفه الذي يكاد لا ينتهي بين ماء البحر، وأشجار النخيل.

دبي ـ كارول ياغي