«الأمطار تبللني، والرياح تلسعني، والأمواج تبعدني، والأكفان تطاردني، والوطن يئن ويبكي على مدار الساعة، وأنا كالأم الحائرة لا تعرف سوى أن تصلي، وتضمه إلى صدرها، وتستعجل قدوم الصباح». لم تعرف تلك الكلمات درباً إلى من يسمعها إلا عبر صورة درامية نسجتها مخيلة الشاعر السوري الكبير محمد الماغوط لتجد من يحولها إلى سيناريو ويقدمها في «حكايا الليل والنهار».

وإذا كان الوطن بحجم حبة قمح يابسة، والدمعة أكبر من نهر الفرات، فإن الماغوط الذي يسكن محيطاً لا يتجاوز بضعة أمتار، اختار أن يسافر في الزمن الذي مضى سحابة خمسة وثلاثين عاما، ويعود حاملاً «حكايا الليل» من سراديب التلفزيون وخيال المشاهدين.

الجميع ينتظرون ماذا سيقول الماغوط في عمل وقعه كأفكار وقصص قصيرة، وصاغه كل من الكاتبة المعروفة كوليت بهنا وعماد ياسين بما ينسجم والخط العام الذي يضمن قراءة دقيقة لأفكار ساخرة وحكايا عابرة، بعد جلسات عمل مطولة جمعتهما في بيت الماغوط.

لم يكن هناك أفضل من المخرج العتيق علاء الدين كوكش، صاحب أهم الاستحقاقات الدرامية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي ليحمل عبء إعادة محمد الماغوط إلى التلفزيون بعد خصام استمر لأكثر من ربع قرن مع هذا الجهاز الذي لم يجد مكانا له في قلب مؤلف الحكايا.

وبالتالي يتوقع أن ينتمي العمل إلى شكل من أشكال الدراما الكلاسيكية والإخراج التقليدي الذي عرف به كوكش، وهذا المخرج دائما ما يصرح بأنه ضد فذلكة الكاميرا وحشر اللقطات الفنية في المشاهد الدرامية.

ويراهن التلفزيون السوري الذي غابت البهجة عن انتاجاته الدرامية منذ أمد طويل، على الحكايا الجديدة، وعلى نص شهد عمليات بناء وهدم كثيرة، بأن ترفع أسهمه من جديد بين الناس وفي الوسط الفني الذي صار يغص بشركات الإنتاج الخاص.

ولمن لا تسعفه الذاكرة، فإن (حكايا الليل) يعد أول عمل يطأ فيه الماغوط عتبة التلفزيون (عام 1970) وكان بداية احتكاكه مع الدراما والتلفزيون وأخرجه حينها غسان جبري. وعبّر العمل آنذاك عن واقع الحارة الشعبية عبر قصص تطرح مشكلات الناس البسطاء، والمسلسل كان يحكي حينها عن الفقراء والهامشيين والمسحوقين،

فكانت حلقاته تحكي عنهم عبر شخصيتين ظلتا في موقع المواجهة مع قصص الماغوط الساخرة، هما الحارس الليلي الذي لم تخل حارات دمشق منه في فترة السبعينات وما قبل، والشخصية الثانية هي عامل النظافة (الزبال) الذي كان عمله أيضاً في الليل، وكانت هاتان الشخصيتان على احتكاك بقصص الحارة القديمة ومشكلاتها، وجسدها كل من الفنانين الكبيرين محمد خير حلواني وعلي الرواس.

في «حكايا الليل والنهار»، كتب الماغوط عشرين قصة قصيرة ترصد الواقع المعاصر، وأطلق عليها صفة «الحكايات» ليعيد تجربته مع الدراما التلفزيونية بعدما قدّم سابقاً حكايات مشابهة ترصد الواقع الاجتماعي بكل جوانبه.

وقد خص الشاعر والكاتب المسرحي والتلفزيوني الكبير «البيان» بتصور عام عن العمل بما في ذلك الكتيب الخاص به قبل أن يوزع رسميا في دمشق. وأكد الماغوط انتماء مسلسله الجديد إلى المسلسل القديم الذي قدّمه للدراما قبل ما يقارب الثلاثين سنة، من خلال العنوان المتشابه «حكايا الليل»،

مشيراً إلى أنه كان يحرص في كتابته العملين على توافق بين أفكاره ووجهات نظره وآرائه الثابتة والنهائية، وهو يلتقط تفاصيل الحياة ويحوّلها إلى دراما تتميز بسخريتها وهزئها الشديد وتهكمها على الأحلام الضائعة والرغبات الإنسانية المتنامية.

وتمنى في نهاية لقائنا به ان يكون العمل الجديد بحجم الذاكرة والحب الذي يختزنه العمل القديم. أما القصص الجديدة وحسب تعبير الكاتبة كوليت بهنا فهي ليست فقط حكايا الليل، وإنما حكايا الليل والنهار بعد ان دخل العمل في الحارة الجديدة المعاصرة، وهي تطور الحي التقليدي الذي توجد فيه أرضية الحارة القديمة بشخوصها،

أي هؤلاء الناس الذين انتقلوا من السكن في الحارة إلى الأبنية وهي أيضاً لها قصصها ومشكلاتها، وهناك شكل جديد ومتطور للعامود الفقري الذي يربط بين الناس. وقال عماد ياسين ان التشابه واضح جداً بين العملين، ولكن الأفكار المطروحة جديدة ومختلفة كثيراً وتقترب من الحياة المعاصرة وتطرح شخصيات انتهازية ووصولية لم تكن موجودة في المسلسل القديم الذي اتخذ أحياء دمشق القديمة كساحة درامية،

وركز على المثل والمبادئ التي يتقيد بها إنسان تلك الفترة الزمنية، حينما يكون منتمياً إلى بيئة شعبية. الأسلوب واحد في العملين، وأعتقد أن العمل الجديد سيحقق النجاح لأن فيه كل عناصر هذا النجاح. يضم المسلسل عدداً كبيراً من الشخصيات المتباينة وكان هناك حرص من قبل كاتبي العمل على أن تنطق باللهجات السورية كافة.

ويلعب الأدوار الرئيسية كل من: أسعد فضة، هاني الروماني، عمر حجو، جهاد سعد، زهير رمضان، زيناتي قدسية، يارا صبري، ماهر صليبي، وفاء موصللي وآخرون.وعبر الممثل السوري اسعد فضة في حديثه إلى «البيان» عن سعادته الكبيرة بعودة كاتب كبير مثل الماغوط إلى التلفزيون بعد أن قطع علاقته به لفترة طويلة،

مؤكدا في الوقت ذاته أن العمل يملك إضافة للنص مقومات النجاح، وأثناء التصوير كان فضة يشعر أن الكل يسعى للخروج بنتائج جيدة توازي النجاح الذي حققه العمل حينما عرض أيام الأبيض والأسود.

ويبدو أن المسلسل، الذي لم يعلن بعد عن إطلاقه على الشاشة، لن ينتظر حتى رمضان المقبل ليبدأ بث حلقاته، وسيعتمد على حلقات منفصلة تطرح مواضيع مختلفة، وتشكّل في النهاية ملامح مسلسل متصل بأفكاره ونماذجه البشرية وأجوائه الخاصة التي تشير إلى أدب الماغوط وأسلوب معالجته للقضايا الإنسانية، وربما استقر عدد الحلقات عند ثلاثين بعد أن صار جاهزا منها للعرض ما يقارب العشرين حلقة.

دبي ـ جمال آدم