ـ 1 ـ
خالٍ هذا المقهى..
يملؤُهُ الصّمتُ،
من الأبوابِ المفتوحة للرّيح،
إلى الأقداحِ النّعسانةِ خلفَ النّادِلِ،
والأكوابِ السّكرى..
أجلِسُ وحدي،
فأنا والمقهى،
ـ بعد غيابِ المهووسينَ
بداء الشّعرِ وبالقهوةِ ـ
صِرنا،
كعجوزينِ على عُكّازِ اليأسِ
يعُبّانِ من الصمت المرَّ
ويقتاتانِ على الذّكرى.
ـ 2 ـ
ساجداً..
كما تركتُهُ
قبلَ ثلاثين سنةْ.
يشكو من الجوعِ،
مُطوْقاً بعُروةِ الإمامِ
والطّقوسِ الآسِنةْ.
ـ 3 ـ
ـ بيتُ الشّعرِ المُنهارِ،
وأشلاءُ الوقتِ.
ـ دخانُ السّأمِ الأحمرُ
تحتَ رمادِ الحربِ،
ـ وأحلامُ صقورِ الصّيدِ.
خيوطٌ تتقاطعُ كالحُمّى في صدرِ اليومْ.
تنحرُ في الرّأسِ الصّحوَ،
وتشنُقُ في العينِ النّومْ.
ـ 4 ـ
غيمةٌ من دُخانٍ،
تَصاعدُ في الجوِّ،
من فمِ هذا الخواءِ.
فارِغونَ،
كتِلكَ الأراجيلِ
لا أصلَ يربُطها بالتُرابِ
ولا فرعَ يوصِلُها بالسّماءِ.
ـ 5 ـ
تَعثّرَ إبليسُ في السوقِ
في كعبِ أُنثى من الجِنِّ،
فانهَمرَ الناسُ من كُلّ صوبٍ
وشدّوهُ من ساعِديهِ.
وما تركوهُ، إلى أن أفاقَ،
وعادَ إلى غيّهِ،
فاطْمأنوا عليهِ.
ـ 6 ـ
الوجعُ الليلِيُّ،
يجيءُ بلا وعدٍ أنّى شاءَ،
ويرحلُ أنّى شاءْ.
يتخطّفُ في الليل بناتَ الشّعرِ
ويشربُ كُلّ بُحوري..
يأتي بصقيعِ الصّحراءِ
ويذهبُ بالدّفءِ،
وبعضِ الأوهامِ المحمودةِ بينَ سُطوري
الوجعُ الليلِيُّ حُشودٌ بارِدةٌ، ليس لها أسماءْ.
تنمو كقُرونِ الجِنِّ إذا غاض الماءْ.
وتُعربِدُ في أحلامِ الشاعِرِ
كالعِفريتِ المأمورِ.
تأتي كيف تشاءُ،
وترحلُ كيفَ تشاءْ.
ـ 7 ـ
ـ في الليل، هل ينامُ الليلْ؟
«تسألُني صغيرتي»
ـ أجبتُها: وفي النهارِ؟ هل يذهبُ النهارُ للمدارسْ؟
ـ قالت: نعمْ.
ـ قلتُ: إذنْ ينام الليلْ.
ـ قالتْ: وأين يفرشُ الليلُ فراشَ نومِهِ؟
ـ أجبتُ: ما لونُ حقيبة النهارْ؟
ـ فانتفضتْ: ليس له حقيبة.
ـ أجبتُها: وليس لليلِ فراشْ.
ـ قالتْ: إذنْ، ليس ينامُ الليلْ.
ـ قلتُ: ولا النهارُ يعرفُ المدارسْ