لا تقبل تشارلا أو شهلاء كما أصبح اسمها بعد أن اعتنقت الإسلام أن توجه أي انتقاد للسلطات في الإمارات، أو تتهمها بالتقصير في معالجة قضايا العنف ضد المرأة أو الاتجار بالبشر وخصوصا النساء والأطفال، وقضايا العنف الناتجة عن تغيير المعتقد الديني، وتقول شهلاء،

وهي لا تكف عن ترتيب «شيلتها» التي وضعتها بإحكام على رأسها لتخفي شعرها الأشقر الناعم «إن الدولة تتغير وتتطور بسرعة فائقة، ولا يجوز أن نتوقع منها انجاز ما حققته على سبيل المثال الولايات المتحدة خلال 200 عام في مجال حقوق الإنسان في سنوات قليلة. علينا أن نبدأ بالمكافأة والتشجيع ونشر الوعي بين الناس كسبيل وحيد لسن قوانين جديدة وخلق مجتمع مدني مدرك لحقوقه».

بدأت شهلاء مصبح نشاطها في مجال الخدمة العامة كما تحب أن تسميه، قبل 15 أو 20 عاما، لم تعد تذكر بالضبط، وهي أميركية أتت إلى الإمارات قبل 23 عاما بعد أن تزوجت من مواطن إماراتي تعرفت إليه في بلادها،وتقول عن تجربتها: «التقيت في دبي بمجموعة كبيرة من الأجنبيات المتزوجات من إماراتيين خلال متابعتنا دروسا دينية في الإسلام، نشأت بيننا صداقة متينة.

لاحظنا ونحن الآتيات من خلفيات ثقافية مختلفة، وجود هوة اجتماعية عميقة سببها سرعة التطور والنمو الذي تشهده الدولة، فقررنا التعاون للمساعدة في قضايا اجتماعية. بدأنا نجمع المال عبر إقامة عشاء أو غداء أو بيع أشياء لمساعدة شخص على إجراء عملية جراحية أو تسديد قسط المدرسة لأولاده...».

قبل 5 سنوات عثرت شهلاء وصديقاتها على فيلا في منطقة الجميرا يمكن استخدامها في نشاطهم، «كانت الفكرة في البداية تأجير الفيلا على شكل غرف بأسعار تشجيعية، ولكنني أصريت أن نستخدمها لإيواء ضحايا العنف المنزلي والعنف الناتج عن تغيير المعتقد الديني، والاعتداء الجنسي أو الاتجار بالجنس من النساء فقط.

وكنا قد بدأنا نلاحظ شيوع مثل تلك الحالات وانتهاء الأمر بالضحايا في السجن أو الشارع أو الموت ورأينا كمسلمات مؤمنات عدم جواز إهمال مثل تلك الحالات». قصدت شهلاء مركز الشرطة في دبي وبالتحديد دائرة حقوق الإنسان، وقدمت نفسها كمسلمة جديدة مهتمة بالنساء ضحايا العنف نتيجة تغيير ديانتهن ومساعدة الأطفال القاصرين الذين يستغلون في سباقات الهجن. وبدا التعاون المبني على الثقة والاحترام بطيئا قبل أن يرسخ، ويثمر نتائج جيدة على كافة الصعد.

بعد تلك المرحلة وجدت شهلاء أن الوقت أصبح مواتيا لطرح قضايا العنف المنزلي والاعتداء والاستغلال الجنسي. تقول: «استغليت علاقة الصداقة والثقة التي نشأت مع الشرطة ودائرة حقوق الإنسان فيها، وأخبرتهم أنني املك فيلا فيها الطعام ومكان آمن للنوم يمكن أن نأوي فيها هؤلاء الضحايا إلى أن نجد حلا مناسبا لمشكلاتهن. وبدأت الشرطة تتصل بي عند كل حالة».

حالات محلية

تبقي شهلاء عنوان الملجأين اللذين تديرهما مع صديقاتها سريا حفاظا على سلامة اللاجئات، لذا آثرت أن تتحدث إلينا في مكان عام. ولا تقبل أيضا نشر صورهن ولا ذكر جنسياتهن ولا أسمائهن، حفاظا على كرامتهن وحقوقهن القانونية. وتشير إلى أن النسبة العالية من الوافدين في الدولة تجعل عدد الحالات الاجتماعية أجنبية من دون أن يعني ذلك أن المجتمع الإماراتي بمنأى عن تلك الآفات، خصوصا التي تتعلق بالزواج المبكر والطلاق من دون نفقة أو حتى بيت يأوي السيدة وأطفالها.

وبحسب شهلاء في الملجأ الآن سيدة إماراتية تزوجت في سن مبكرة لا تجيد القيام بأي عمل أو وظيفة لأنها لم تكمل دراستها، طلقها زوجها لتجد نفسها في الشارع». تتحدث شهلاء عن فتاة أخرى إماراتية قضت بإرادتها نحو 8 أشهر في السجن لحمايتها من عنف زوجة والدها، وهي الآن تقبع في «الملجأ» تذهب إلى المدرسة لمتابعة دراستها وتنال الرعاية اللازمة.

وتلفت شهلاء في هذا السياق إلى حالة شهدتها مدينة أبوظبي العام الماضي، حين قام زوج بضرب زوجته تأديبا لها حتى الموت. وتقول «ان المشكلة الأساسية التي تواجه مجتمعنا تكمن في أن الكثير من النساء يخشين التحدث في الموضوع، أو يعتقدن أن الضرب من حق الرجل عليهن، أو لا يعرفن لمن يلجأن»، وتضيف بحزم «الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يضرب نساءه، فلماذا نخالف رسالته».

نهايات سعيدة

هناك حالة تتمثل في فتاة فرت من البيت جراء العنف الممارس عليها، قاصدة مركز الشرطة لطلب المساعدة. «اتصلت بنا الشرطة والعمل جار لمعرفة الأسباب الحقيقية لهربها وسبل العلاج. ولا اعتقد أن فتاة في السابعة عشرة من عمرها تختار أن تهرب وتجوب الشوارع معرضة حياتها للخطر من دون حجة وجيهة»، تقول شهلاء.

في قصة مختلفة تلقت شهلاء اتصالا هاتفيا من الشرطة تدعوها للحضور، وتسلمت شابة في مقتبل العمر من جنسية عربية أوتها لفترة. كانت الفتاة وقعت ضحية إعلان يطلب مساعدة منزلية للعمل في الدولة. توفي والداها وهي في السادسة عشرة من عمرها لتجد نفسها مسؤولة عن عائلة من خمسة أفراد أصغرهم لم يتجاوز عمرها الأسبوع الواحد، استدانت الفتاة المال لتأتي إلى الدولة ولتؤمن عائلتها ريثما تقبض راتبها من وظيفتها الموعودة، ولكنها وجدت نفسها عالقة في «بيت للرذيلة».

امتنعت عن الطعام والشراب أيام عدة فأخذها مستخدماها إلى المستشفى حيث أعطيت «الغلوكوز»، وتمكنت من الهرب من احد الفنادق ليلا، ومشت ساعات طويلة إلى أن وصلت إلى مركز للشرطة حيث وجدت ملجأ آمنا. تقول شهلاء إن الفتاة كانت على قدر جيد من العلم تتقن اللغات العربية والفرنسية والاسبانية وتعلمت الانكليزية وخضعت لدورة تدريب على الحاسوب مكنتها من إيجاد وظيفة شريفة تعين من خلالها نفسها وأسرتها في وطنها.

وتقول شهلاء ردا على سؤال حول ما إذا كانت قد تعرضت لتهديد من احد أزواج أو أقرباء اللاجئات، إنه حدث مرات عدة وهناك من يتتبعها لمعرفة مكان الملجأ ومن يتصل ببرامج إذاعية لنشر الشائعات حول الملجأ وهدف إنشائه.

تطوع واستقلالية مالية

يشارك شهلاء وصديقاتها نشاطهن عشرات المتطوعين والمتطوعات لا ينال أي منهم بدل أتعاب، ومن بينهن ابنة شهلاء الكبرى التي تتابع دورات تدريبية حول حقوق الإنسان والعمل التطوعي في مؤسسة خاصة في مدينة المعرفة في دبي.

ولا تأخذ شهلاء أي مال من مؤسسات رسمية ولا أجنبية.

تقول: «نحاول إيجاد تمويل ذاتي حتى نحافظ على استقلاليتنا، في الحقيقة المال الذي نحتاجه يرسله إلينا الله، كل ما نحتاجه من أكل وشرب وأدوات تأتينا من عائلات إماراتية كريمة. وهناك شركات أيضا تقدم لنا المساعدة عبر تخصيص أرباح يوم عمل لنا من بينها «بودي شوب» و«لويدز بانك». كما تقيم بعض السفارات حفلات تخصص ريعها لنا كالسفارتين البريطانية والأميركية.

وتدعو شهلاء الشركات العاملة إلى «تخصيص جزءا من أرباحها للمساهمة في أعمال الخير. كما على الإعلام أن يتطرق إلى مثل تلك الحالات بمسؤولية ومنطق بعيدا عن التشهير وبهدف نشر الوعي بين الناس لان ذلك هو السبيل الوحيد لسن قوانين جديدة وحث الجهات المسؤولة على بذل المزيد من الجهود».

وتعقد شهلاء آمالاً كبيرة على جمعية حقوق الإنسان التي تأسست قبل سنة باعتبارها ستكون مظلة ستقود جمعيات المجتمع المدني والناشطين الاجتماعيين نحو الاحتراف وإيجاد اطر وثيقة وناجعة للعمل، وتقول شهلاء في النهاية إن بطل مسيرتها هو زوجها حسن صالح احمد مصبح الذي وقف إلى جانبها وسمح لها بوضع نفسها في خطر وقضاء ساعات طويلة خارج المنزل في عمل مجاني بعيدا عن أولادها الستة.

حوار وتصوير: كارول ياغي