لكل إنسان شخصية مميزة تتضح في صورته الخارجية وحجمه وصوته ولون عينيه وحتى صوته، وكل هذه السمات الشخصية، تمكن العلم الحديث من تحويلها إلى بصمة مميزة تفرق بين شخص وآخر، بصورة تكاد تنعدم فيها نسبة الخطأ.
ولعل أشهر البصمات المستخدمة إلى الآن هي بصمة الأصابع، لكنها لم تعد البصمة الوحيدة التي يستخدمها خبراء الأدلة الجنائية لتحديد مرتكبي الجرائم، بل أصبحت عينة من جلد الجاني أو تسجيلاً لصوته أو بصمة فكه وانطباعات شفتيه كلها بصمات يمكن أن تقود إليه. وأصبحت بعض الجهات تستخدم بصمة العين كجواز مرور إلى المناطق المحظورة أو الأقسام الحساسة الخاصة ببعض الموظفين وأشهر الأماكن التي تستخدم بصمة العين لفتح بوابات العبور الخاصة إلى الأقسام الداخلية هي «مكتبة الإسكندرية» التي اعتمدت بصمة عين عددا من الموظفين العاملين في الأقسام الداخلية كمفتاح لبواباتها الإلكترونية.
وإذا كانت بصمة الأصابع هي الأشهر فإن بصمة الـ .خ.ء هي الأكثر دقة، لكن يبقى في جسد الإنسان العديد من البصمات المميزة من بينها بصمات الشعر وأصابع القدمين والأذنين، كما أن للحيوانات المنوية بصمات هي الأخرى، وتظل أغلب البصمات غرابة بصمة اللعاب وبصمة الرائحة.
* أولى البصمات
بدأ استخدام البصمة باكتشاف الطبيب الإنجليزي هنري فولدز سنة 1852 لاختلاف خطوط الأصابع من شخص إلى آخر فابتكر طباعة البصمة على الورق بوساطة أحبار الكتابة، كما أمر الحاكم الإنجليزي لمقاطعة «البنجاب الهندية» وليم هرتش سنة 1877 بوضع بصمات المتعاقدين في نهاية ورق العقد ضمانا لتنفيذ الاتفاقات وعدم الروع عنها.
* بصمة العين
وقد تطورت أساليب البحث الجنائي وتدخل العلم الحديث ليوفر نسب أمان أعلى في المنشآت ذات الطابع السري عندما اكتشف الخبراء أن لكل عين بصمة مميزة وعن ذلك يقول الأستاذ الدكتور شريف ذهني رئيس معهد بحوث انتشر استخدام «بصمة العين» في التدابير الأمنية لتحقيق الشخصية والتشبث منها في أدق صورة .
وذلك بعد أن اكتشف أطباء العيون أن «قزحية» العين ـ النسيج الملوث الظاهر من القرنية ـ تحتوي على ملايين التفاصيل المذهلة والمتناهية الدقة بدءاً من اللون المميز لكل عين وانتهاء إلى التضاريس الفريدة والتي لا تتكرر من عين إلى أخرى .
وهو ما أدى إلى اعتماد صورة القزحية كبصمة مميزة للأشخاص استخدمت كوسيلة إضافية للتحقق من الشخصية باستخدام كاميرات خاصة تضاهي الصورة الملتقطة بالصورة المختزنة لديها نظراً لتكلفة هذه الوسيلة فإن استخدامها مقتصراً على الجهات الأمنية والجهات السياحية أو المنشآت ذات الطبيعة الخاصة.
* بصمات جينية
ويقول الدكتور عبدالهادي أستاذ المناعة والميكروبولوجي زميل الأكاديمية الأميركية للمناعة أن البصمة الجينية يمكن أن تؤخذ من نواة أية خلية في الجسم كالغشاء المخاطي المغطى للفم والأنف أو من الدم أو الجلد.
وتستخدم البصمة الجينية في تحديد الشخصية كما تكشف نوعية الأمراض التي تعرض لها الإنسان خلال حياته، وتساهم أيضاً في التنبؤ بالأمراض الوراثية التي قد تنتقل إلى الأبناء من آبائهم وذلك من خلال رسم ما يعرف بـ «الخريطة الجينية» وهو ما يسهل اكتشاف الأمراض مبكراً والتدخل في علاجها.
* ألوان الأسنان
أما الدكتور خالد كشك استشاري طب الأسنان فيوضح أن لكل فك بصمة مميزة تتضح من خلال شكل الفك الذي يتنوع مثل فك كبير وصغير كما يوجد فك دائري أو مثلث أو مستطيل، وتفيد بصمة الفك في التوقف على بعض جرائم القتل كشخصية صاحب الجثة مثلاً، وتؤخذ بصمة الفك بوساطة «عجينة طبية» خاصة توضح شكل الفك المميز.
ويضيف الدكتور خالد كشك أن بصمة الفك تستخدم بشكل موسع في العالم العربي منذ حوالي 50 عاماً خاصة وأنها توضح شكل الأسنان وعيوبها والعلاج الذي تعرضت له كالحشو أو إعادة التركيب وحتى لون الأسنان يمكن تصنيفه من خلال درجات معينة منها A2 وA1 وغيرها.
ورغم هذه الدقة في بصمة الفك فإن الدكتور كشك يؤكد أن بصمة الفك وسيلة مساعدة وليست قاطعة في البحث الجنائي أو المشكلات القضائية حيث إنها تنفي ولا تثبت.
*تمييز الأصوات
ومع تقدم العلوم واستخدامها التكنولوجيا المتقدمة استطاع الخبراء استحداث بصمة لصوت كل إنسان ويؤكد ذلك الدكتور محمد بركة رئيس وحدة التخاطب بجامعة عين شمس ويقول أن الصوت يتكون من ثلاثة أشياء هي الشدة من حيث الارتفاع والانخفاض والحدة من حيث الغلاظة أو الدفع واللون هو الخاصية المميزة لكل صوت.
ويمكن الحصول على بصمة الصوت من خلال جهاز «تحليل الصوت» أو «SCٌ» الذي يحلل صوت الإنسان إلى موجات لكل منها شكل مميز تصنف إلى ترددات تختلف في نفس اللحظة من إنسان لآخر.
ويضيف الدكتور بركة أن هناك جهاز الـ «VRB»، والذي يقوم بعمل رسم بياني عن علاقة شدة الصوت بالحدة، ويوضح أن بصمة صوت الإنسان تتغير وفقاً لطبيعة المهنة والتقدم في العمر، فالمهن التي تتطلب أصواتاً جمهورية كالتدريس والمحاماة تسبب تغيراً في بصمة الصوت بعد ستة أشهر من العمل بها.
وكذلك يمكن أن تتشابه بصمة الصوت في التوائم الإنسانية أو بين الأب وابنه، وتفيد بصمة الصوت في الأبحاث العلاجية والتي توضع على أثرها وسائل العلاج المناسبة لكل حالة.
ولعل أقدم الوسائل المعروفة في تتبع المجرمين والهاربين هي الرائحة التي عن طريقها تستطيع الكلاب المدربة اختفاء الأثر والمساعدة في ضبط مرتكبي الجرائم، لكن هذه البصمة يتوصل العلم إلى تحديدها في مقاييس محددة خاصة وأن رائحة الإنسان تختلف تبعاً لنوع الطعام الذي يتناوله كما يؤثر بها بعض الأدوية العلاجية والمواد المخدرة والمسكرات.
تشترك الشفاه مع العيون في أنهما أوحيا للشعراء التغني بجمالها، وقد أودع الله في تلك العضلات القرمزية المسماة بالشفتين أسرارا بالغة .
وقد استطاع العلم الحديث ابتكار جهاز يطبع بصمة الشفاه بوساطة حبر غير مرئي يوضع على ورق «حساس» وقد بلغت دقة بصمة الشفاه درجة أنها لا تتكرر من شخص إلى آخر كما يمكن رفعها بوساطة علم الأدلة الجنائية من على أبسط الأشياء ككسرة خبز أو عقب سجائر.
وإذا كان لكل إنسان بصمة مميزة فإن الطبيعة أيضاً منحت كائناتها بصمات منفردة يظهر ذلك في ثمار أخشاب الشجر على سبيل لمثال، كما اكتشف البيطري إريك ستاوير أن لأصابع أقدام الطيور بصمات مختلفة تميزها عن غيرها من نفس الفصيلة، وكذلك أثبتت العلوم الحديثة أن للحيوانات أيضاً بصمات مميزة.
خدمة (وكالة الصحافة العربية)

