خلف المشهد الحسيني بمنطقة الجمالية بالقاهرة يقع جامع ابن برديك والمعروف بجامع أم الغلام والذي يتميز بعمارته المملوكية الرشيقة ومئذنته الفريدة في تصميمها ومنبره الذي يعد واحداً من أنفس المنابر الخشبية في عمارة مصر الإسلامية.

يقول د. أحمد الزيات أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة طنطا: منشئ هذا الجامع هو الأمير محمد بن برديك الأشرف الدوادار أحد مماليك السلطان الأشرف إينال 857- 865 هـ 1453- 1461 حيث رباه فترقى في وظائف دولته حتى صار خازانداره وتزوج من ابنته الكبرى فزادت وجاهته وعظمت مكانته حتى أنعم عليه السلطان بالإمارة وجعله دوادارا ثالثاً فظل يشغل هذه الوظيفة طوال عهدي الأشرف إينال والظاهر خشقدم 652- 871 هـ / 1461 -1467م.

ويشير الزيات إلى أن هذا الأثر أحيط به كثير من علامات الاستفهام غير المحققة أولها أن علي باشا مبارك قد نسب بناءه إلى السلطان الأشرف إينال نفسه رغم أن لهذا السلطان مجموعته المعمارية الخاصة به ورغم أنه لا توجد به أية نصوص كتابية تشير إلى ذلك. وأغلب الظن أن سبب هذا الخلط يرجع إلى أن منشئه الفعلي هو بن برديك عتيق السلطان إينال وزوج ابنته وانه خلا من أية كتابة تثبت ذلك.

وثاني هذه الاستفهامات - كما يضيف الزيات - أن كتابات اللوحة الموجودة على يسار محرابه تشير إلى أن به مقام السيدة فاطمة الزهراء وابنها الأمام الحسين رضوان الله عليهما وأن هذا المقام حدده بدر الدين بين بيليك العلائي سنة 652هـ / 1254 م، في بداية عهد دولة المماليك البحرية وقد يفسر ذلك إما بتجاور الآثريين وتداخل موقعيهما قديما أو احتفاظ المنشئ بهذه اللوحة وتثبيتها على يسار محراب مسجده تيمنا بها وتبركا. أما ثالث هذه الاستفهامات - كما يقول الزيات - فترجع إلى أن كتابات مئذنته تدعو بالعز والبقاء والعلو والارتقاء للسلطان الأشرف أبو النصر قايتباي الذي تولى السلطنة سنة 872 هـ /1468 م بعد اينال بسبع سنوات وهو ما يدعو إلى الاعتقاد إما بأن قايتباي كان قد أضافها إلى هذا المسجد ضمن ما أضافه إلى عمائر سابقيه وما جدده منها وإما أن أحد كبار أمرائه كان قد أضافها للمسجد وسجل هذا الدعاء عليها تقربا لسلطانه.

مدخل رئيسي

وعن الوصف المعماري لجامع أم الغلام يقول د.محمد الششتاوي أستاذ الآثار الإسلامية وعضو اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية بهيئة الآثار: تتكون العمارة الخارجية لهذا الأثر من واجهة رئيسية واحدة في الناحية الجنوبية الشرقية بها مدخل رئيسي عبارة عن حجر غائر تغطية طاقية على هيئة ربع قبة ترتكز على أربع حطات من المقرنصات وتكتنف هذا الحجر من أسفل مكلتان حجريتان بعلوهما إزار غائد خال من الكتابات وبين هاتين المكلتين فتحة باب ذات مصرعين خشبيين فوقهما عتب مستقيم من صنجات حجرية معشقة يليه نفيس فوقه عقد على عاتقٍ من صنجات معشقة أيضا ويلي ذلك دخلة ذات صدر مقرنص بمقرنصات من حطتين تتوسطهما نافذة مستطيلة تعلوها نافذة ثانية أصغر منها وعلى جانبي هاتين النافذتين كتابة كوفية بارزة نصها لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلي جانبي هذا المدخل الرئيسي - كما يصف الششتاوي - توجد أربع حنيات متشابهة ذات صدور مقرنصة بمقرنصات من حطتين منها اثنتان على يمنيه واثنتان على شماله بينهما قمرية دائرية وأسفل كل حنية من هذه الحنيات فتحة شباك مغشي بحجاب من المصبغات المعدنية يعلوه عتب مستقيم من صنجات حجرية معشقة يليه نفيس فوقه عاتق من صنجات معشقة أيضا وأعلاها نافذة مستطيلة معقودة بعقد مدبب يغشيها حجاب من السلك الرفيع.

أنفس المنابر

وعن عمارة الجامع الداخلية يقول عبد الحميد العطوي مفتش آثار بمنطقة السلطان حسن وما حولها هي عبارة عن دركاة صغيرة مربعة ذات أرضية من بلاطات حجرية وسقف من براطيم خشبية ذات مربعات تفضي إلى ممر منكسر ينتهي إلى صحن أوسع مربع فرشت أرضيته ببلاطات حديثة تحيط به أربعة إيوانات أولها وأهدها للقبلة من الناحية الجنوبية الشرقية عبارة عن مستطيل ذي أرضية من بلاطات حجرية وسقف من براطيم خشبية ويتصدر جدار القبلة محراب منبر خشبي رائع يعد واحدا من أنفس المنابر الخشبية في عمارة مصر الإسلامية حيث صنع بطريقة الحشوات المجمعة وله باب مقدم من مصراعين خشبيين تزينهما أشكال نجمية مطعمة بالصدف ويعلوها صف من الشرفات الخشبية المعمولة على هيئة ورقة نباتية خماسية يرتكز على حطتين من المقرنصات وله ريشتان تزينهما أطباق نجمية ثمانية الرؤوس ويعلو كل منهما درابزين خشبي تزينه زخارف هندسية. وفي مؤخرة المحراب بابان كل منهما ذو مصراع واحد يزينه طبق نجمي ثماني الرؤوس.

أما جلسة الخطيب فهي عبارة عن جوسق يرتكز على أربعة أعمدة خشبية ويوضح العطوي أن الواجهة الرئيسية للجامع ألحقت بها مئذنة حجرية ذات قاعدة مربعة مشطوفة الأركان العلوية ترتكز عليها دورتان مثمنتان بينهما شرفة ترتكز على حطتين من المقرنصات وقد فتح في أربعة أضلاع منها أربع نوافذ صغيرة ويلتف حول هذه الدورة من المئذنة وتحديدا أسفل مقرنصاتها إزار كتابي بخط النسخ المملوكي البارز أما الدورة الثانية فيقوم فوقها جوسق به أربعة أعمدة رخامية يحمل عقودا ثلاثية تعلوها خوذة كمثرية.

خدمة (وكالة الصحافة العربية)

القاهرة ـ «البيان»: