شعر الشاب الإماراتي جمعة بن ثالث بالسعادة كلما تذكر تلك اللقطة التي غامر بالتقاطها الصيف الماضي لحوت جنح في مرسى دبي، وهو من فصيلة القرش الأليف.. فقد أدخل آلة التصوير داخل فم ذلك الحوت، وتلقى الكثير من الاتصالات المشجعة والمعجبة، بعد أن عرض تلفزيون «دبي» هذه اللقطات.
لم تكن تلك المرة الأولى التي يمسك فيها «جمعة» آلة التصوير ليؤرخ اللحظات التي لا تعوض، إلا أنه شعر بأهمية ودور ما يقوم به من هواية، إلى جانب عمله كمنسق لقسم التراث في جمعية الإمارات للغوص، والتي تعنى بهذا الجانب المهم من الحياة البحرية القديمة.
؟ أصل الحكاية
بدأت رحلة «جمعة بن ثالث» منذ طفولته المبكرة، حيث كان والده يغوص بحثاً عن اللؤلؤ، كحال الكثيرين من الرجال في تلك الحقبة قبل النهضة الحديثة في منطقة الخليج، من حينها أحب الغوص واستكشاف الأماكن القريبة، بحثاً عن أشياء جديدة، إلى أن انضم في عام 1995 إلى جمعية الإمارات للغوص وبدأ كغواص يبحث ويتعرف ولا يجد حرجاً في أي سؤال قد يخطر على باله،
ليلتحق في العام 1998 بإحدى الدورات التدريبية ويتعلم مبادئ التصوير تحت الماء، بعد أن جرَب كثيراً فكرة التصوير، وأمضى شهوراً ينزل كل يوم إلى البحر يستقصي الأماكن ويستكشف الإضاءة والحياة البحرية، ويدرس حركة آلة التصوير ويستعد كي يبدأ حكايته وهوايته مع عالم يتسم كل ما فيه بالدهشة والمتعة والمعرفة.
ويشير جمعة إلى أن أولى اللقطات التي أنجزها كانت لتصوير «محار اللؤلؤ» ولحسن حظه كانت لقطات جيدة عرضها تلفزيون أبوظبي، وقد شجعه أحد المخرجين المتخصصين على الاستمرار، مع أن حركته كانت سريعة نسبياً، لكنه بالمحصلة استفاد من هذه التجربة كثيراً، وبدأ يهتم بشكل أكبر إلى الأمور الفنية والتقنية،
ويقول جمعة بن ثالث: يتطلب التصوير تحت الماء شروطاً عدة لا بد من مراعاتها، منها حركة الكاميرا والزوايا الخاصة واختيار الأماكن والإضاءة ومدى نقاء المياه، وذلك للوصول إلى نتائج جيدة». ونسأل الهاوي الإماراتي عن أفضل الأوقات والأماكن،
فيؤكد لنا أن «الساحل الشرقي للإمارات العربية المتحدة يعد من أفضل مواقع تصوير لتمتعه بجميع الشروط، بينما تفتقر الشواطئ الأخرى لهذه الميزة إلا في مواسم محددة، كبداية الصيف وعلى أعماق محدودة».
ويوضح بأن مخلفات السفن والصيادين أثرَت بشكل كبير على الحياة البحرية، داعياً الجميع إلى الاهتمام بالبيئة وزيادة الوعي وعدم رمي أكياس «النايلون» والمواد الصلبة والسائلة في البحر، حفاظاً على الثروة السمكية والحياة البحرية والنباتية في الأعماق، كذلك عدم الاكتفاء بالمناسبات المتفرقة لرعاية البيئة البحرية كاليوم العالمي لتنظيف الشواطئ.
؟ مواقف طريفة
وانطلاقاً من موقعه كمنسق قسم التراث في جمعية الإمارات للغوص، يؤكد جمعة حرصه منذ حصوله على رخصة الغوص، على المشاركة مع زملائه وأصدقائه في حملات التنظيف سواء على الشواطئ أو في أعماق الخليج، ويقول بنبرة لا تخلو من الطرافة: «عادة ما ألتقي بزملائي وأصدقائي تحت الماء عندما لا تجمعنا اليابسة، فقد تمضي شهور طويلة قبل أن ألتقي بأي منهم».
كما يخبرنا عن مشاركاته الخارجية حيث سافر مع وفد الإمارات العربية المتحدة الذي ضم 27 شخصاً من 13 جنسية مختلفة، للمشاركة في إنقاذ المتضررين من زلزال وأمواج «تسونامي» في القارة الآسيوية، «وكان وفد الإمارات أول فريق عربي يصل إلى جزيرة «بوكيت» التايلاندية ويسهم في البحث عن المفقودين».
ومع ذلك لا ينسى الإماراتي الشاب، هوايته الأولى وهو يتحدث عن الغوص والمشاركات المحلية والعالمية، مؤكداً أكثر من مرة أنه هاوٍ وعاشق تصوير تحت الماء، يقدم ما يصوره للمدارس والكليات، من دون أن يخفي رغبته في إنجاز أفلام وثائقية عن عالم البحر، واتباع دورات خاصة في هذا المجال،
مؤكداً أن «هذه الهواية تحتاج إلى كثير من الصبر والتركيز والعمل الدؤوب من أجل البحث عن الأماكن واللحظات التي لا تنسى». وعن الدروس التي تعلمها في عمله وهوايته، يقول جمعة بن ثالث: ما زلت أتذكر كم من المرات نزلت فيها إلى الأعماق ونسيت بعض الجزئيات الصغيرة،
فلم تعمل آلة التصوير، صحيح أنني كنت أشعر بالأسف لعدم تمكني من تأريخ هذه اللحظات لكنني بالمقابل تعلمت الكثير من الأمور وأولها الصبر، فلكل هواية مخاطر، والبحر كما يعلم الجميع مليء بالمفاجآت، لكنني والحمد لله لم تواجهني أية مشكلات كبيرة،
على اعتبار أن أهم مشكلة قد يتعرض لها الغواص هي عدم تفقده لأدوات الغوص، ففي غمرة انشغال الغواص تحت الماء، وبحثه عن أماكن جديدة سواء للتصوير أو اللؤلؤ، قد ينسى مقياس الأوكسجين ويجد نفسه مضطراً للعودة إلى سطح الماء للتزود مرة أخرى بما يحتاجه».
وحول ما يشاع حول مخاطر بعض الحيوانات والنباتات البحرية، يفند جمعة هذه الأقاويل مؤكداً أن «الحيوانات البحرية لا تهاجم على عادة إلا في حالة الدفاع عن النفس»، مؤكداً في الوقت نفسه أن «منطقة الخليج العربي لا تحوي أياً من الحيوانات والنباتات المؤذية، لذلك تنحصر مهمة الغواص في الانتباه أولاً إلى أدوات الغوص وعدم الارتطام بالأحجار والشعب المرجانية».
؟ طموحات
ويبقى أن في جعبة جمعة بن ثالث الكثير من الحكايات والطموحات ما بين عمله وهوايته.. طموحات لا تنتهي كرغبته أن ينال هذا الجانب من حياتنا كل الرعاية والتشجيع، وأن يلتفت الشباب إلى هذا النوع من الهوايات، إضافة إلى عرض تلقيته لتصوير فيلم وثائقي تحت الماء».
أنس الأموي


