تشهد الساحة الإعلامية في موريتانيا تغييراً جذرياً، فبعد قرار المجلس العسكري الذي أطاح بنظام الرئيس معاوية ولد الطايع، فتح الباب أمام مختلف وسائل الإعلام الرسمية والمستقلة لتقول ما تشاء من دون أي رقيب، وهو ما أدى إلى ظهور عدة صحف يومية تتنافس بشكل محتدم للوصول إلى الأخبار،
وتتعاطى مع مختلف قضايا البلد بعيداً عن مقص الرقيب، وتحاول هذه الصحف من خلال فتح الملفات الساخنة للنظام السابق، الاستحواذ على أكبر عدد من القراء في بلد يشهد حالياً فورة سياسية غير مسبوقة بعد استيلاء العسكريين على السلطة وتعهدهم بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية من دون المشاركة فيها.
لكن يبقى السؤال قائماً حول ماهية الصعوبات التي تعترض عمل هذه الصحف الناشئة وهذا ما تسعى «البيان» إلى الوقوف عليه من خلال التحقيق الآلي.
بداية يرى سيد محمد ولد يونس مدير تحرير صحيفة «الأخبار» المستقلة أن «الصحافة اليومية في موريتانيا تعترض سبيلها عراقيل جمة، قد لا تختلف كثيراً عن تلك التي واجهتها خلال مسيرتها التي بدأت قبل خمسة عشر عاماً من قبيل انعدام مصادر الأخبار، ومشاكل التوزيع، ومحدودية الخبرة المهنية، بالإضافة إلى شح الموارد المالية».
ويضيف ولد يونس قائلاً: «لقد تسارعت وتيرة الانعكاسات السلبية لتلك العراقيل على الصحافة المكتوبة بعد أن تحولت معظم الصحف من أسبوعية إلى يومية، ذلك أن التغيير الذي شهدته البلاد في الثالث من أغسطس الماضي قد فتح المجال أمام رفع الرقابة البوليسية على الصحافة،
واستبدالها برقابة القضاء، وهو أمر طالما طالبت به الصحافة ذاتها، غير أن تلبية ذلك المطلب وضع الصحافة أمام تحديات أكبر من ذي قبل بسبب عدم اتخاذ إجراءات مصاحبة من أهمها توفير مصادر للأخبار تساعد على المهنية من جهة،
وتكون حصناً للصحافيين من المتابعة القضائية من جهة ثانية، ثم إن محاولة الحصول على الخبر أو التأكد من صحته قد تتجاوز فترة يومين أو ثلاثة، وهو ما يتنافى وتزويد القراء بالأخبار اليومية الطازجة».
ويشرح ولد يونس أن «مشكلة التوزيع تأتي لتقضي على ما استطاعت الصحافة اليومية تحقيقه من أخبار، فيجد العدد الصادر في الصباح معظم نسخه وقد أصبحت ضيفاً على جناح أرشيف الصحيفة في المساء، ويوضح أنه مع الزيادة الملاحظة في أعداد الصحف اليومية تضاعفت الحاجة إلى زيادة عدد المحررين،
وهو ما أدى بهذه الصحف إلى استكتاب أشخاص لا علاقة لهم بميدان الصحافة، لا دراسة ولا تمرساً، وقل من ينجح من هؤلاء في التكيف مع المتطلبات المعرفية والمهنية المطلوبة، أما في الجانب المالي فعلى الرغم من أن بعض الصحف اليومية تصدر عن مؤسسات إعلامية قائمة،
إلا أن معظمها لا يزال ممولاً من طرف أفراد لا يقدرون على دفع التكاليف اليومية الباهظة من جيوبهم الخاصة، في وقت شهدت فيه «سوق المضاربات الصحافية» تراجعاً كبيراً، بعد أن كانت الممول الأهم للصحف الخاصة خلال فترة حكم ولد الطايع،
ويعتبر هذا التحدي خطيراً على مستقبل الكثير من الصحف اليومية، التي ما زالت تنتظر الخطوات التي سيتخذها المجلس العسكري الحاكم بشأن طرق ومصادر تمويل الصحافة المستقلة».
من جهته يعتقد محمد سالم ولد الخليفة المدير العام ليومية «السراج» أن تجربة اليوميات في موريتانيا لا تزال وليدة بالمقارنة مع واقعها في بلدان عربية عديدة، وهو ما جعلها تعيش وضعاً تكتنفه صعوبات جمة،
فالتجربة قليلة والطواقم المختصة في ميدان الإعلام نادرة ومصادر الأخبار قليلة والتعاطي الرسمي مع الصحافة الحرة، وان كان قد تحسن قليلاً بعد انقلاب الثالث من أغسطس، فإنه لا يزال مرتبكاً وغير متقن،
ويقول: «لعل أكبر مشكلات الصحافة المستقلة في موريتانيا بالإضافة إلى ما سبق تتلخص في قلة مصادر الأخبار وغلاء مصاريف السحب، كما أن هناك مشكلة التوزيع حيث لا وجود لمؤسسة تتولى مهمة التوزيع في البلد مما فرض على اليوميات الناشئة بإمكانياتها الضعيفة أن تتولى مهمة توزيعها،
وأدى ذلك إلى انحصار توزيع الصحف في عموم موريتانيا في شارعين رئيسيين من شوارع العاصمة، وخارجهما لا تكاد تجد صحيفة، وهناك أيضاً عوائق أخرى منها غياب الدعم الحكومي للصحف المستقلة، وعدم وجود نظم وقوانين تنظم الإعلان في الصحف وتضبطه مما حصر الاستفادة منه في مقربين من السلطة أو محسوبين على الأمن».
ويرى الدكتور الشيخ ولد سيدي عبد الله رئيس تحرير صحيفة «المجهر» اليومية أن هناك انفتاحاً وتغييراً في طريقة تعامل السلطة مع الصحافة المكتوبة، ذلك أنه تم تجميد ما تسميه الصحافة (المادة 11) التي كانت تصادر كل ما لا يتفق مع السلطة بشقيها الرسمي والخاص حيث أصبحت الصحافة مسؤولة أمام القضاء، وبدأ العسكريون في السلطة يؤسسون لفهم جديد لدور الإعلام المستقل منه والحكومي، وذلك انطلاقاً من تأسيس لجنة عليا لإصلاح قطاع الإعلام ككل».
ويضيف ولد سيدي عبد الله قائلاً: «من دلائل هذا الانفتاح وهامش الحرية الممنوح للصحافة المكتوبة ان اليوميات لم تحضر بصفة جادة إلا بعد انقلاب الثالث من أغسطس الماضي، غير أن التركة الثقيلة التي تركها النظام البائد في التعامل مع الإعلام وغيره لا تزال تفعل فعلها ولو على استحياء، حيث توجد مطبعة وحيدة تملكها الدولة،
ولكنها تتكفل بطباعة جريدة «الشعب» الحكومية بطبعتيها العربية والفرنسية، ثم تباشر في طباعة الصحف الأخرى مما يخلق زحمة في العمل تؤدي إلى عدم صدور اليوميات في الوقت المناسب، وهو ما أدى إلى الاتجاه نحو المطابع الخاصة والتي تكلف مبالغ طائلة،
إضافة إلى تغليبها جانب الربح على الجانب الوطني، ومن ثم فإن هناك بعض اليوميات التي لا تجد طريقها إلى الصدور إلا في المساء، وتبقى هناك أيضاً مشكلة التمويل التي يعانيها هذا القطاع، حيث إن الصحافة الموريتانية كلها ممولة من طرف أشخاص يؤمنون بهذا المجال ولكنهم في النهاية يربطون حياتهم المهنية والمادية بهذه المشاريع».
ويتطرق ولد سيدي عبد الله إلى موضوع الصحافة الصفراء التي كانت مدللة في العهد البائد والتي أثرت على دور الصحافة ككل وذلك بممارستها المشينة التي تضر بدور الإعلامي والإعلام، وتعمل لجنة إصلاح الإعلام على التقليل من هذا الصنف، الذي يملكه أشخاص نفعيون ولا يتمتعون بثقافة تؤهلهم لفهم هذه المهنة الشريفة.
ويختم بالإشارة إلى إشكالية التوزيع الذي لا يزال ضعيفاً لأنه لا يعتمد على مؤسسات متخصصة وإنما على جهود أفراد عاديين لا يتمتعون بالإمكانات اللازمة، إلا أنه وعلى العموم يمكن القول إن ظهور هذه اليوميات والنظرة السلطوية الجديدة للصحافة يمكن أن تفتح المجال أمام التحسين من دور هذا القطاع والاستمرار فيه».
نواكشوط ـ بشير ولد ببانه
