لسنوات طويلة لم يكن «أمين الشرايبي» يتخيل أنه سيصبح في يوم من الأيام مسؤولاً بالكامل عن مهنة أجداده ووالده الذي رحل باكراً، تاركاً له مشغلاً في مدينة الدار البيضاء لصناعة سروج الخيل العربية. في البداية وجد الشاب المغربي نفسه وحيداً مع أكثر من «500» سرج، لكنه سرعان ما استطاع بعد فترة لم تتجاوز العامين، أن يعيد إحياء هذه المهنة التقليدية العريقة.
لم ينس «أمين» وهو يرينا سروجه الموشاة بخيوط الذهب في جناح القرية المغربية، أن يسرد لنا تاريخ أسرته مع هذه الصناعة.. فجده الأول إدريس (1850ـ 1930) كان أول من افتتح ورشة خاصة في حي السقاطين بمدينة «فاس» المغربية، أما جد والده أحمد (1890ـ 1968) فقد برع بتزيين سروج الخيل بسلك الذهب المشغول على قماش الحرير أو جلد الماعز، حيث يقتني متحف (بو زنيقة) للخيول عدداً من السروج التي اقتناها كل من الملك المغربي الراحل حسن الأول، وابنه الملك محمد الخامس.
في حين فضل جده محمد (1920ـ 1990) الانتقال إلى الدار البيضاء وتأسيس ورشة خاصة به أطلق عليها اسم «فن فاس»، وقد برع أيضاً بتزيين اللوحات القرآنية والكتب الدينية إلى جانب عمله وحرفته الأساسية.
وقد ورث «أمين» هذه الورشة عن والده جواد (1950ـ 2001 ) الذي استطاع بدوره أن يتابع مهنته إلى جانب عمله كمدير في إحدى شركات السيارات العالمية. يقول أمين: درست هندسة الديكور ولدي خبرة جيدة في مجال تقديم تصاميم للعروض المسرحية المختلفة، وقد عملت في «نادي البحر الأبيض المتوسط»، وصممت الديكور المسرحي اليومي للفرق والعروض المسرحية الزائرة.
هذا إلى جانب اهتمامي بالرسم وتزيين الصناديق الخشبية واللوحات الفنية، مما ساعدني كثيراً عندما بدأت رحلتي مع صناعة السروج التقليدية.
وعن مراحل صناعة السروج، يبدأ «أمين» بوضع تصميم خاص للسرج مستوحى من التصاميم التراثية الشرقية، لتقوم امرأة متمرسة بخياطة هذه التصاميم والنقوش على (النطع) وهو قطعة حرير، مستخدمة خيطاً ذهبياً من عيار «14» قيراطاً، بعدها يقوم الحرفي المغربي بتجميع قطع السرج الذي يتكون عادة من نحو «72» قطعة بين صغيرة وكبيرة، تبعاً لنوعية السرج وقيمته.
لم يدعنا «أمين» نسأله عن أقسام السرج، فقد بدأ بالحديث عن (اللبد) وهو الغطاء الذي يوضع على ظهر الحصان أولاً، وعادة ما يصنع من الصوف الطبيعي والصابون، بعدها يأتي (الزيف) وهو الغطاء الأساسي، و(العظم) أي قطعة الخشب المصنوعة من شجر الليمون، كذلك (الغبارة) والأحزمة الثلاثة: الأول الملاصق للعظم من ناحية بطن الفرس، والثاني ويسمى (الدير الصغير) الملاصق لصدر الفرس، بعدها (الدير الكبير) المطرز بخيوط الذهب، إلى جانب (القلادة) التي توضع على رأس الفرس، و(التشكرا) التي تحيط بعينيه، و (اللجام) المصنوع من الحديد، كذلك (السراع) أو الحبل، وأخيراً (الركاب) المخصص للفارس كي يركن قدميه عليه ويصنع عادة من النحاس والحديد. ولهذا السبب يستغرق تجميع السرج الواحد حوالي الشهر، بعد أن تنتهي المرأة من حياكة وخياطة النقوش المذهبة والتي تستغرق بدورها عاماً كاملاً.
* مواسم للخيل
من ناحية أخرى لا يخفي «أمين الشرايبي» ميله الواضح لبعض أنواع السروج والتي تتجاوز العشرة أنواع، كالسرج (التلمساني)، والسرج (الصم الحر) المطرز بخيوط الذهب ويقدم كهدايا للرؤساء والملوك، حيث قدم والده في عام 1996 عدة سروج من هذا النوع بالإضافة إلى سرج من نوع (بن شريف) للمغفور له الشيخ زايد رحمه الله.
ومن الأنواع الأخرى ما يسمى (بالشركي) وهو يصنع فقط في منطقتي «وجدة» و «تلمسان» بالجزائر، ويتميز بأنه عبارة عن قطعة واحدة، في حين يتميز سرج (بن شريف) بصناعته من الحرير الخالص، كذلك سرج (صبي) وسرج (الستارة) الذي يصنع للمواسم والمهرجانات الخاصة بسباق الخيول، في حين سمي سرج (التاج) لوجود نقش التاج في منتصفه.
يعترف «أمين» أنه صنع نحو ثلاثين سرجاً خلال عمله المتواصل في العامين الماضيين، وقد شارك في عدة معارض ومهرجانات محلية وعربية وأهديت إحدى سروجه إلى الرئيس الجزائري «بو تفليقة»، عن طريق وزارة الصناعة التقليدية بالمغرب.. وهذا ما يشعره بالسعادة والفخر وهو يشارك في العديد من مهرجانات ومواسم الخيول حيث يقول:
يتميز المغرب بوفرة مواسم الخيول، كمهرجان (مديونة) قرب الدار البيضاء، ومهرجان (مولاي عبد الله) و (المحمدية)، وأسبوع الفرس بالرباط.. وغيرها من المهرجانات، ويمكنني القول إن نحو خمسين مهرجاناً للخيل يقام على مدار العام من بداية مارس حتى نهاية أكتوبر. من جهة أخرى يعتبر «أمين» في النهاية نفسه محظوظاً بالعمل في هذه المهنة العريقة التي أعطته الكثير من الثقة والقدرة على الإبداع والتجديد، بالإضافة إلى مردودها المادي الجيد، حيث يتراوح ثمن السرج الواحد ما بين «400» دولار إلى «1200» دولار، وهذا السرج يحتاج إلى ثلاث كيلوغرامات من الذهب.. معترفاً أن أغلى سرج باعه حتى الآن وصل ثمنه إلى 5500 دولار فقط.
أنس الأموي