أم محمد المهيري:

قوة «العود» في عتقه .. ونفاذ الرائحة في «التخمير»

صورة

في كل بيت إماراتي تجد «العود» والعطور الشرقية بكل أنواعها، والمرأة الإماراتية محبة للعطر تملك ذوقاً رفيعاً في اختيار الروائح الطيبة المبهجة المريحة للنفس والبدن، ورغم ارتفاع أثمان العطور الشرقية إلا أن الاقبال عليها أكثر من «البرفانات» الغربية، والسيدة أم محمد المهيري تأخذنا إلى هذا العالم بأسراره وخلطاته وأيضاً بنوافذه التي تطل عليها المرأة الإماراتية، في هذا الحوار معها.

عن حكايتها مع العود والعطور تقول «أم محمد المهيري الياسية» :تعود محبتي للعود والعطور الشرقية إلى الزمن القديم، حين كانت السفن والمراكب تنقل مواد العطور الخام إلى سواحلنا وأسواقنا، وأجزم أن ثقافة «عشق العطور الشرقية» هي ثقافة إماراتية ـ خليجية عامة، ولا يكاد بيت في الإمارات أن يخلو من عطر شرقي مصنوع من الطبيعة.

وكنت أرى أمهاتنا والنساء في القدم؛ يقمن بمزج المواد العطرية الخام ويصنعن منها خلطات قد يتجاوز عدد المواد فيها 10 مواد أو أكثر، من دهن عود أصلي وياس وورد ومسك وعنبر وزعفران وغيرها من المواد العطرية الشرقية الجميلة، والمرأة الإماراتية تعشق العطر الشرقي وتفضله على غيره من العطور الغربية رغم ثمنه الباهظ، وهي تتميز بذائقتها الحسية ـ الشمّية العالية للروائح الطيبة.

وتضيف أم محمد المهيري أن أشهر الخلطات هي خلطة «حق العروس» وهي تستخدم في الزفاف والأعراس، وهناك خلطة خاصة تستخدمها المرأة الإماراتية حصرياً في موسم ما يسمى «قُفال الغوص» ـ أي لدى عودة الزوج من رحلة غوص طويلة، فتتعطر بهذه الخلطة المتكونة من مواد عطرية يستورد معظمها من الهند وبعض الدول الشرقية البعيدة، وما زال عالقاً في ذهني وفي وجداني إلى اليوم؛ ذلك الموقف الذي حدث في طفولتي، حين زارتنا إحدى «الشيخات» التي ما أن اقتربت منها للسلام عليها، حتى فاحت منها رائحة عطرة زكية التصقت بثيابي وجعلتني أشعر بسعادة وفرح، وحين كبرتُ وتنامت خبرتي في صناعة خلطات العطور؛ ظلّت تلك الرائحة باقية في قلبي، وترجمتُها عبر خلطة أطلقتُ عليها خلطة «الشيخة» وهي من أكثر خلطاتي قرباً إلى قلبي.

ورغم خبرتها الطويلة والعميقة في صناعة «الخلطات» الشرقية المتميزة، فإن «أم محمد المهيري» لم تدخل مجال الاحتراف إلا قبل عدة أشهر، حين أقنعها زوجها وبعض صديقاتها من سيدات المجتمع بإطلاق عطورها عبر أثير المعرض الذي أقيم على أرض المعارض في أبوظبي قبل فترة، وكان رفضها في البداية ينبع من واقع الحياء من دخول مجال العمل التجاري، ومخافتها من قضاء وقت طويل في هذا المجال بعيداً عن أطفالها الذين تضعهم في الدرجة الأولى من اهتماماتها.

* أسماء العطور

«عطر منشم» أطلقته من وحي القصة العربية القديمة الشهيرة، وكذلك الحال مع «عطر نشوى» الذي مزجته في ذكرى امرأة قديمة كنت أشبهها بصندوق عطور متنوعة متناسقة، أما عطور «الفاخر» و«ليالي» و»أشواق» و«مواعيد» و«الأمير» و«هبايب» فقد أخذت أسماءها من طبيعة المواد التي استخدمت فيها. استمعتُ إلى قصيدة نبطية كتبها زوجي فمزجتُ خلطة أطلقتُ عليها اسم القصيدة وكان من أجمل العناوين «روعة الحب».

وتحضرني ذكريات طريفة مع خلطة «الوردي» ، حيث كنتُ أراجع إحدى طبيبات الأسنان السويديات، وكانت تسألني في كل مرة أذهب لمراجعتها فيها عن اسم العطر الذي أضعه، وألحّت علي بأن أصنع لها خلطة شرقية، فصنعت لها خلطة خفيفة ـ لأن النساء الغربيات يحببن العطور الخفيفة ـ فظهرت الخلطة على شكل عطر وردي أخذ اسمه من لونه، والغريب انها كانت من أقوى الخلطات وأكثرها انتشاراً لدى الزبائن حين شرعتُ في إقامة ركن «الياسية» في أرض المعارض وكان الطلب عليه منقطع النظير.

* أسرار التخمير

لا تصنع «أم محمد المهيري» خلطات العطور فقط؛ بل إنها تصنع أيضا خلطات «الدخون» وهي عبارة عن كرات معجون لينة توضع على الجمر في «المدخن» فتفوح رائحتها في أرجاء المكان، ويقف المرأة أو الرجل قريباً منها لتعطير ثيابه وجسده، ويختلف «الدخون» باختلاف تركيبته من المواد الخام، فكلما ازدادت فيه نسبة العود النقي والعنبر كان أكثر قوة، وهو يستخدم في جميع المناسبات ويكثر الإقبال عليه في الأعياد والأفراح والمناسبات الاجتماعية وفي ليال الجمعة.

لعل من أسرار هذه الحرفة التي يعرفها قليل من الناس؛ هي مرحلة «التخمير» التي يمر بها، تقول عنها: بعد خلط المواد العطرية الخام بنسب متفاوتة، يوضع الخليط في أداة تُعرف باسم «المخمرية» وكلما زادت مدة تخميره، امتزجت المواد بصورة أقوى وأعطتنا عطراً نفاذاً قوياً، وتستغرق المدة ـ بالنسبة لخلطاتي ـ ما بين 4-6 أشهر تقريباً، وهذه هي القاعدة الثانية بالنسبة لصناعة خلطات العود، أما القاعدة الأولى فهي اختيار المواد الأصلية ومعرفة نسبها.

حيث تفترض قاعدة «التخمير» بأن العود كلما عُتّق أكثر كلما فاحت رائحته بقوة، وتعتبر «أم محمد» صناعة ونسب وتركيبة الخلطات شيئاً في غاية السرية والخصوصية، وهكذا كتبت في الأسواق عن تركيبات ونسب لصناعة خلطات العود والدخون، فيها الكثير من المغالطات والأكاذيب، وقد جرّبت إحدى الصديقات صناعة خلطات أخذت نسبها وتركيباتها أحد هذه الكتب، فظهرت روائح وعطور غير جيدة ـ إن لم أقل سيئة ـ لأن تركيب العطر الشرقي هي مسألة تتعلق بنسب دقيقة جداً وبخبرة احترافية في ذائقة الشم ومعرفة المواد.

* أنواع العود

يبلغ سعر «تولة» دهن العود في المتوسط حوالي 1800 درهم إماراتي، وتعادل «التولة» حوالي 12 غراماً فقط، ويبلغ سعر كيلو دهن العود النقي 100 ألف درهم إماراتي كمعدل، بينما يبلغ سعر العود «قطع خشبية» حوالي 4000 درهم إماراتي، وحين نطالع أسعار العطور الغربية نجد أنها أقل من أسعار العطور الشرقية بفارق كبير، ورغم ذلك نجد المواطنين يتجهون لشراء العطر الشرقي وليس هناك شعور بالمنافسة الحقيقية للعطور الغربية تجاه عطور الشرق.

وتؤكد أم محمد المهيري أن العود الهندي ـ البني اللون القريب للسواد ـ الذي يستخرج من شجرة «أكولاريا أغالوتشا» من أفضل أنواع العود المستخدمة في صناعة الخلطات الشرقية رغم ندرته، ويتميز بقوته، بينما يأتي العود الكمبودي بالمرتبة الثانية وهو المنتشر أكثر حالياً ـ إضافة للعود الأندونيسي ـ ويتميز بانتشار رائحته في أرجاء المكان، ثم تأتي في مراتب مختلفة أنواع: البورمي والتايلندي والماليزي واللاوسي وعدد من مشتقات العود من خليج حوض البنغال.

وتنصح الذين يتعطرون ألا يعيدو مباشرة أنبوبة المسح في الزجاجة بعد التعطر بها، ويجب أن تمسح بالملابس أو قطعة قماش نظيفة قبل إعادتها لزجاجة العطر، لأن إعادتها مباشرة قد ينقل الجراثيم والفيروسات الملتصقة بالجسم وفي الهواء إلى زجاجة العود، وبالتالي يتغير لونها ورائحتها بصورة واضحة.

ومن المواد المستخدمة في الخلطات؛ مادة «الزباد» الطبيعي الأفريقي وهي على بعض الروايات تستخرج من قطط برية وحشية خاصة، وتستعمل في الخلطات القوية وتظل رائحتها لمدة أسبوع، وهناك أيضاً مسك الغزال ـ المستخرج من غزال المسك المنتشر في سفوح الهملايا ـ وهو بلون بني فاتح وذو رائحة عطرة.

كما يتربع العنبر على رأس مواد الخلطات الشرقية بأنواعه المتعددة كالعنبر العربي وعنبر «الزرق» ـ المستخرج من حوت خاص ـ وهو غالي السعر، وتقارب «التولة» منه سعر العود حيث تبلغ 1500 درهم تقريباً، إضافة لمواد عطرية أخرى، أما ما يجعل الخلطة غالية في السعر، فهي مواد: دهن العود الهندي، عنبر الزرق، وورد الطائفي الذي يعتبر من أندر المواد العطرية الطبيعية.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري :

طباعة Email
تعليقات

تعليقات