الطب المصري مازال يحقق نجاحات في جراحات التحول الجنسي

الأنثى «تغريد» أصبحت ذكراً اختار اسم «مينا»

18 سنة كاملة عاشتها تغريد في عالم النساء، تمارس حياتها بين البنات ترتدي الفستان وتتزين بالمكياج وتصادق الفتيات وتجلس وتنام إلى جوارهن، وطوال هذه الأعوام كان ينظر إليها الجميع في قرية «الكشح» الشهيرة إحدى قرى مركز دار السلام بمحافظة سوهاج، على أنها أنثى مكتملة الإنوثة، وعندما أنهت دراستها اثانوية العامة التحقت بكلية العلوم جامعة جنوب الوادي فرع سوهاج، واستخرجت البطاقة الشخصية والكارنيه على أنها أنثى رغم شعورها الدائم بأنها غريبة على عالم النساء فلم تظهر عليها علامات الأنوثة ولم تفاجئها الدورة الشهرية مثل كل البنات.

ومن هنا قرر الوالدان عرضها على طبيب متخصص لأنهما يدركان أن شيئًا غير طبيعي يحدث، وبعد إجراء الفحوصات والتحاليل ثبت استعدادها النفسي لأن تكون ذكرًا، وبالفعل تركت نفسها للأطباء الذين نجحت مشارطهم في تحويلها إلى رجل مكتمل الرجولة، اختار أن يسمي نفسه (مينا)، وبعد 13 ساعة في حجرة العمليات تحقق المستحيل وخلعت تغريد ثوب النساء.

وأصبحت حرة طليقة بلا قيود ولا حواجز كالتي كانت تفرضها عليها تقاليد وعادات الصعيد الصارمة التي لا تعترف بانتهاكها أو تجاوزها. منذ 18 سنة وبالتحديد يوم 9 يناير عام 1985 رزق باسيليوس - العامل البسيط الذي يعيش في قرية الكشح- بطفلته الثانية تغريد، لم يفرح كثيرًا كعادة أهل الصعيد - لأنه كان ينتظر الولد ويتمنى أن يكون كل ابنائه ذكورًا.

ولكن كان عليه أن يقبل بقضاء الله ومرت السنوات وتغريد تكبر عامًا تلو الآخر حتى دخلت المدرسة الابتدائية، لكن الشيء الغريب، أن ميولها اتجهت لمصاحبة الأولاد الذكور واللعب معهم إلى درجة أن البعض أطلق عليها «البنت المسترجلة» - مما سبب لها أيضًا الكثير من المشاكل داخل الأسرة، وكانوا دائمًا ينصحونها باللعب مع البنات لأنها بنت ولا يصح أن تلعب مع الأولاد.

وفي المرحلة الإعدادية تفاقم الوضع ولم تظهر على تغريد علامات الأنوثة مثل باقي بنات جنسها غير أن هذا لم يسبب أي قلق لوالديها اللذين ظنا أن المسألة تحتاج إلى مجرد وقت. ومرت سنوات المرحلة الإعدادية من دون أن تقدم تغريد مسوغات انضمامها إلى النساء، وعندما التحقت بالثانوية العامة أصبح اهتمام الأسرة منصبًا على تحصيل الدروس والصراع على كليات القمة خاصة وأن تغريد اختارت القسم العلمي لتحقق أمنيتها في دخول كلية الطب ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن وظهرت نتيجة الثانوية العامة وحصلت على مجموع %92 وهو ما لم يمكنها من تحقيق الحلم فالتحقت بكلية العلوم.

* مفاجآت وانقلاب

في تلك الفترة كان والد تغريد قد رزق بولدين وخمس بنات إلا أن ذلك لم يمنع من زيادة قلق الأم على ابنتها التي لم تظهر عليها أية علامات للأنوثة ، رغم أن عمرها 18 سنة لذلك قرر الوالدان عرضها على طبيب متخصص لمعرفة أسباب ذلك.

لم يفكر الوالدان نهائيًا في احتمال رجولة ابنتهما ليجدا أنفسهما أمام المفاجأة التي كانت تنتظر الأسرة في عيادة النساء في المستشفى حيث أكد د. عبدالمنعم حجاجي أستاذ الجراحة بجامعة أسيوط بعد إجراء التحاليل والفحوصات الطبية، أن الهرمونات الذكورية موجودة في دمها بنسبة عالية جدًا، ويجب أن تعود إلى أصلها الجنسي ذكرًا وليس أنثى، وبالفعل قرر الأطباء إجراء العملية التي استغرقت 13 ساعة متواصلة لتخرج بعدها تغريد في طبعة جديدة بعد أن تحولت إلى (مينا).

عندما ترى (مينا) ستجزم من الوهلة الأولى إنه رجل ولا يمت إلى جنس النساء بشيء فهو شاب متوسط الطول، قصير الشعر، أسمر البشرة عذب الحديث، ترتسم على شفتيه ابتسامة دائمة لأنه يتذكر جيدًا حياته عندما كان فتاة لا علاقة لها بعالم الرجال، حتى في فترة المراهقة لم يكن لتغريد علاقات عاطفية كسائر البنات ولم تشعر تجاه أي شاب بأية مشاعر..

وهو ما يصفه (مينا) قائلاً: «كنت في ملابس الفتيات هادئة الطباع لا أحب المبالغة في المكياج وأميل دائمًا إلى تقصير شعري حتى كان أهالي قريتنا يقولون إنني مسترجلة وكان الكثيرون منهم يشككون في أنني فتاة، وكنت في حيرة من أمري فأنا لم أشعر يومًا بمشاعر الأنوثة فقد كنت متمردة على حياتي الأنثوية أرفض ارتداء الملابس النسائية وأرفض أداء الأعمال المنزلية ففي داخلي أشياء مختلفة عن طباع البنات.

دومًا أطلب أن يشتري لي والدي بنطلونات وقمصانًا، حتى شعرت بالحقيقة أنني ولد ولكن شهادة الميلاد وسجلات الأحوال الشخصية تقول إنني فتاة وكان عليَّ أن ارتضي بالأمر الواقع وطوال السنوات الثمانية عشرة التي عشتها في ثوب الفتاة كان لدي إحساس قوي بأنه سيأتي اليوم الذي ستتحقق فيه أمنيتي وينتهي صراعي ومعاناتي، كنت اقرأ في الصحف عن حالات مشابهة لحالتي تم تحويلها إلى ذكور وأصبحت تمارس حياتها الطبيعة ومنهم من تزوج وأصبح لديه أسرة وأولاد، كنت أحلم بهذا اليوم..

ومع التحاقي بكلية العلوم كان علي أن أقيم مع الفتيات المغتربات في أحد المساكن الخاصة، ولكن مجرد ظهوري بين هؤلاء الطالبات كان يحدث ردود أفعال غريبة لدرجة أنه تم رفض إقامتي معهن ، ومنذ هذه اللحظة فقط أدركت أن علي أن اتخذ القرار وأن شيئًا مصيريًا لابد أن يحدث.

وبعد انتهاء نصف العام الدراسي الأول فاتحت والدتي وكانت بداية الانقلاب في حياتي وبدأت رحلة البحث عن الذات والهوية.. وكانت المفاجأة الأخرى حينما اكتشف الأطباء أنه في عملية الختان التي أجريت لي وأنا صغير تم قطع جزء من العضو الذكري ولم يكتشف أحد من أفراد أسرتي ما حدث.

طرائف لا تنسى يقول مينا: «في حياتي التي عشتها حدث لي الكثير من المواقف المحرجة والطريفة في وقت واحد فعندما التحقت بالجامعة واستخرجت الكارنيه باسم تغريد ومع ارتداء البنطلون والقميص وشعري القصير وعدم وجود أية علامات للإنوثة كان حارس الأمن يتهمني بالتزوير أو أن الكارنيه الذي أحمله هو كارنيه أخي ولا يسمح لي بالدخول إلا بعد أن يقودني إلى رئيس الحرس الجامعي الذي شرحت له حالتي وتفهم موقفي.

أما عن زملائي من الطلبة في الكلية فكانوا يعيشون معي في حالة من الاستغراب والدهشة فعندما يرونني بالقميص والبنطلون لا يشكون لحظة واحدة أنني طالب مثلهم ، وفي مرة أخرى عندما ارتدي فستانًا أو بدلة حريمي يضربون كفًا بكف». وبعد أن أصبح مينا شابًا يافعًا تغيرت شكل العلاقة التي تربطه مع زميلاته وصديقائه من البنات اللاتي كان يعرفهن ويجلس وينام إلى جوارهن فيقول:

العلاقة الآن علاقة عادية جدًا، فإن رأيت إحداهن في الشارع أو الجامعة يكون هناك سلام وحوار قصير يتعلق بالدراسة والأخبار العامة ، ولا نتطرق إلى أي موضوعات أخرى، وإن كان ينتاب الحديث بعض الحرج ولكني أحاول التماسك والاقتناع بالوضع الجديد والأمر الواقع، أما عن علاقاتي العاطفية مع البنات فالحقيقة التي قد لا يصدقها الكثيرون هي أنني لا أعرف أسرار البنات أو أسلوب حياتهن وكيفية التأثير عليهن وتبادل الأحاديث العاطفية بل إنني الآن استعين بأصدقائي من الشباب لمعرفة كيفية كسب ثقة الفتيات».

رأي الخبراء حقيقة مهمة لابد أن نذكرها، وهي إنه لولا التقدم العلمي في مجال الطب ووجود أطباء على مستوى وكفاءة عالية ما كان قد حدث لمينا ما حدث، ولذلك التقينا مع د. ثابت إلياس أستاذ الجراحة العامة لمعرفة ما حدث في حالة مينا فقال: «في البداية لابد أن نعرف أن أسباب هذه الحالات تعود إلى عدة عوامل منها زواج الأقارب.

حيث يتحكم العامل الوراثي بالإضافة إلى تناول أدوية أثناء الحمل، وحالة مينا كان فيها صعوبة كبيرة لأنه في مثل هذه الحالة نقوم بتعويض العضو الذكري المفقود بآخر من جسم المريض وهي جراحة إضافية تحتاج إلى مهارة عالية وكفاءة كبيرة في كل مراحلها بدءًا من التخدير ومرورًا ببقية المراحل خصوصًا إذا كان قد حدثت عملية ختان، لأنه في هذه الحالة يكون قد حدث ضرر بالعضو الذكري ويتم بتر جزء كبير منه.

وعند نجاح العملية يكون صاحب العملية مستعدًا لممارسة حياته الطبيعية كرجل وإن كان يحتاج إلى عملية جراحية أخرى بعد فترة من العملية الأولى يتم فيها تركيب جهاز انتصاب صناعي، وهو جهاز تعويضي لعلاج ما يشبه الضعف الجنسي نتيجة ما يحدث، لكن يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن كثيرًا من الرجال يضطرون لاستخدام هذا الجهاز من دون أن يكونوا قد مروا بنفس التجربة».

* تقبل المجتمع

ولأن هذه القصة مثيرة ونادرة كان لابد من التعرف على رأي علماء الاجتماع والنفس عن هذا التحول الفسيولوجي، تقول د. سامية خضر (أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس): «إن الأمر لا علاقة له بالموروثات الاجتماعية سواء حدث في الريف أو الحضر، فالمجتمع لابد أن يتقبل مثل هذه الحالات لأنها مسائل طبية بحتة وأي إنسان في الدنيا معرض أن تكون هذه الحالة في أسرته، ولا أتصور أن في مثل هذه الحالات ما يدفع أحدًا إلى السخرية أو عدم تقبلها ، لأنها ليست عيبًا ولا نقيصة».

ويرى د. مصطفى عمر شاهين (مدرس مساعد الطب النفسي بجامعة القاهرة) أن «التحول النفسي أصعب من التحول الجراحي، لأن الجراحة تتم عبر خطوات محددة، في حين أن التحول النفسي يحتاج إلى مراحل طويلة تتدرج خلالها الحالة في التعامل مع الوضع الجديد خاصة مع رد فعل المجتمع، لأنه يفقد دائرة أصدقاء ليدخل في دائرة جديدة، وإن كان انتقال الشخص من جنس النساء إلى الرجال أسهل نسبيًا من الناحية النفسية لأن الرجل لا تحده الكثير من التقاليد الاجتماعية، كما أن دور المجتمع أساسي في نجاح التحول النفسي لأن تقبل المجتمع لمثل هذه الحالات يساعدها على التأقلم النفسي والاجتماعي».

خدمة (وكالة الصحافة العربية)

القاهرة ـ «البيان»:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات