تعكس الجداريات الملونة والدمى والتماثيل الفرعونية طبيعة الأزياء ومدى تطور الموضة في مصر القديمة، اذ إنها تظهر اهتمام المصريين القدامى بتطوير ذائقة فن الرسم الذي يؤرخ انماط الحياة وأساليبها.

واعتبرت الرسومات خزانة حقيقية حفظت العادات الاجتماعية والأزياء المستخدمة في كل المناسبات التي تتراوح ما بين الاستعداد للحرب أو حضور الحفلات الاجتماعية أو المناسبات الدينية.

وكل ما يمكننا القيام به هو تفحص المواد والأزياء التي كانوا يرتدونها والماكياج الذي كانت المرأة المصرية تستخدمه ونوعية العطر الذي اعتادت التطيب به، حتى نتعرف على الحالة المزاجية للإنسان المصري في العصر الفرعوني. ولعل الفنان المصري القديم كان أكثر تعبيراً برسوماته التي تقارب الرسم المجسم ثلاثي الأبعاد، وان كان مقتصراً على بعدين فقط في الجداريات.

والواقع ان الفنان المصري القديم معد على تجسيد كل تفاصيل الجسم بدءاً من الوجه والردفين والساقين والقدمين ويبرزها جانبيا، لكن الغريب انه كان دائماً يبرز الكتفين وكأنهما تواجهان الناظر.

وتصور الجداريات المصرية دائماً المرأة بإبراز ثدي واحد في حين يكون الثاني متوارياً، والحقيقة أنه يصعب على أي إنسان أن يظهر بهذا الشكل، ولكن الفنان المصري القديم كان يعتقد ان تلك الوضعية هي الأفضل لحل المشكلات الناجمة عن الانتقال من حالة الأبعاد الثلاثية الى البعد الثنائي.

* الأقمشة المستخدمة

معظم ملابس المصريين كانت منسوجة من الكتان وبعضها من الأنسجة القطنية، والمعروف ان القطن لم يصبح شائعاً في صناعة الملابس عند المصريين إلا في العصر القبطي المسيحي. وكان المصريون القدامى يستخدمون الأصبغة النباتية المختلفة وأحياناً كانت تستخدم قبل الحياكة لانتاج خيوط حمراء، صفراء أو زرقاء.

ولكن معظم الأقمشة المحاكة كانت تترك بلونها الطبيعي وكان من الممكن تحويلها الى اللون الأبيض، عن طريق تركها لفترة طويلة تحت الشمس. وهو اللون المفضل عند الأثرياء.

وخلال العصر القديم والأوسط والمملكة الحديثة كانت المرأة ترتدي ثوباً ضيقاً أشبه بموضة «الشوال» التي كانت دارجة في أعوام الستينات، والفستان عبارة عن قطعة قماش مستطيلة تطوى ويجري تخييطها من الأعلى إلى الأسفل لصنع ما يشبه الأنبوب.

ويصل الثوب عادة إلى ما فوق الكاحل قليلاً ويرتفع قليلاً فوق الصدر. واستخدمت المرأة المصرية الفستان المزود بعلاقتين لحمل الفستان على الكتفين وكانت المرأة المصرية ترتدي فستانها دون صدارية بالطبع. وأحياناً يكشف الفستان عن صدرها. ويرى البعض في حمالتي الفستان على أنهما ذوق فني خاص.

وأن الحمالات في حياة المرأة العادية كانت عادية وتغطي الصدر. وتساند هذا الرأي كل الدمى والرسومات لنساء فرعونيات لم يكن ينظرن إلى إظهار الصدر على أنها حالة غير مهذبة. ومن الفساتين الأكثر انتشاراً ذات الأكمام القصيرة مع تجمع خيوطي تلتقي عند العنق لتلعب دور الحمالات.

وقد تبنى كل من النساء والرجال في فترة المملكة الحديثة نوعاً من الفساتين يمكن تزيينه بأساليب مختلفة. وهو عبارة عن قطعتين مستطيلتين من القماش طول القطعة أربعة أقدام وعرضها خمسة أقدام، ويتم خياطة القطعتين معاً مع الأخذ في الاعتبار، أن يكون طرف الفستان السفلي ضيقاً، مع ترك مساحة جيدة عند العنق. ولا يشكل صنع الفستان أي صعوبة كبيرة ويمكن أن يرتديه النساء والرجال على حد سواء.

؟ إنتاج المنسوجات

بقيت حياكة المنسوجات صناعة تحتكرها النساء في مصر الفرعونية وهو القطاع الاقتصادي الوحيد الذي كانت تسيطر عليه المرأة لفترات طويلة وكانت الأسر الثرية تخصص ورشة خاصة في قصورها حتى تكون الحائكة تحت الطلب لتلبية احتياجات الأسرة من الأقمشة. وكانت النساء يقمن باستخراج الكتان من القنب حيث يقشر ويتم تحويل اللحاء الرفيع إلى خيوط وبعد ذلك يتم برم الخيوط وتحويلها إلى كرات وتخزن إلى أن يحين وقت حياكتها.

وفي عهد المملكة الحديثة كانت مصر تصنع عباءات ذات أكمام قصيرة وواسعة مصنوعة على نحو خاص من خيوط الكتان الرفيعة المستوردة من سوريا. وفي هذه الفترة من حياة مصر أصبحت هذه العباءات موضة دارجة.

وتظهر الرسومات الجدارية أن الأطفال كانوا في العادة يبقون عراة إلى أن تحين مرحلة البلوغ. ويظهر الأطفال بأشكالهم المتميزة بالجدائل الجانبية التي تمثل النضارة والشباب. لكن خلال المملكة الوسطى شوهدت رسوم لبعض الأطفال وتظهرهم وهم يرتدون ألبسة كتانية مشابهة لملابس الكبار، وبصورة خاصة في أشهر البرد.

* المساحيق

أبدت النساء المصريات اهتماماً خاصاً ببشرتهن وبمظهرهن لأسباب تخص العناية بصحتهن وبجمالهن. واعتبرت المصريات الاستحمام عادة محببة ولذلك عمدن إلى ذلك مرات عدة في الأسبوع. وبعضهن كن يستحممن مرات عدة في اليوم الواحد.

واستخدم الرجال والنساء على حد سواء العطور والزيوت للعناية بالبشرة. وإحدى تلك الزيوت كانت عبارة عن مزيج من المواد المستخرجة من النباتات ودهون القطط والتماسيح وفرس النهر. واستخدمت المساحيق الخاصة بالعينين بانتظام لتوفير الحماية من وهج الشمس والمرض.

واستخدمن أوكسيد الحديد لتلوين الشفتين والوجنتين باللون الأحمر. أما الشعر فيمثل بالنسبة لهن حالة خاصة. فالشعر في البيئات الحارة سرعان ما يتعرض للتلف وحمل الحشرات. إذا ما أهملت العناية به.

وتخلصت الكثيرات من هذه المشكلة حيث حلقن شعرهن وارتدين الشعر المستعار «الباروكة» بدلاً من الانهماك بتصفيف الشعر الطبيعي. وكن يرفعن الشعر المستعار على قطع قماشية صغيرة لتهوية جلدة الرأس. وبهذه الصورة لم تكن المرأة المصرية تعاني من ابيضاض الشعر عندما يتقدم بها السن. وينسحب ذلك على الذكور أيضاً.

أما النساء اللاتي كن يصممن على الاحتفاظ بشعرهن الطبيعي فإنه كان يطلب منهن أن يعززن اللون الطبيعي لشعرهن بدلكه بمزيج من الزيت ودم قط أسود بعد غليه أو دم ثور.

* العطور

كانت الموضة أن يضع الرجل والمرأة عبوة مليئة بالعطور، خاصة في الحفلات، ويصنع عادة العطر من الودك (الشحم الحيواني) والمر. ومع مرور الوقت يذوب ويطلق رائحة طيبة. وغالباً ما كانت الحفلات أو المناسبات الاجتماعية تجمع ما بين الرجال والنساء على حد سواء.

وعندما كان يحين موعد تناول الطعام كان الرجال والنساء يجلسون معاً أيضاً. وغالباً ما يرتدي الضيوف أرواباً لها كسرات أو طيات طويلة. أما الخادمة فغالباً ما ترتدي حزاماً رفيعاً على الوركين وترتدي ياقة ملونة كما تضع على رأسها عبوة عطر أيضاً.

*«الديودورانت» الفرعوني

مشكلة رائحة الجسم أو العرق بالتحديد ليست مشكلة عصرية، فمنذ فجر التاريخ تركت السجلات الحضارية القديمة لنا ما يفيد عن أن الإنسان حاول ابتكار مواد لإزالة رائحة العرق.

فالمصريون القدامى أوصوا بضرورة الاستحمام بحوض يحتوي على مادة معطرة، مع استخدام مواد زيتية معطرة تحت الإبط. وطوروا مستحضرات مصنوعة من القرفة والليمون لا تتأثر بالحرارة. كما اكتشف المصريون أن إزالة شعر الإبط يقلل من احتمالات تحور العرق إلى رائحة كريهة.

وبعد قرون طويلة، اكتشف باحثون الأسباب التي تجعل شعر الإبط يضاعف المساحة التي تترعرع عليها البكتيريا ورأوا أن تكاثر هذه البكتيريا يمكنها أن تعيش وتتكاثر وتموت وتتحلل تحت الإبط وهو ما يؤدي إلى انبعاث تلك الرائحة الكريهة. وفي أزمنة لاحقة، قام الإغريق والرومان بنقل تركيبات مزيل رائحة العرق من المصريين.

إعداد: محمد نبيل سبرطلي