مقهى الفيشاوي معلم تاريخي فريد في القاهرة، يجتذب إليه كل شعوب العالم بمختلف جنسياتهم، وهو عبارة عن تحفة معمارية تعلن عن نفسها وأصالتها.

الوصول إليه يتطلب جهداً بسيطاً من داخل ممر طويل ضيق في ميدان المسجد الحسيني، يضج بالمارة المتجولين والسياح، وبنهاية الممر تجد المقاعد المتراصة بشكل يوحي باستقلالية وروعة المقهى تشغلها جنسيات مختلفة يمثلون كل ألوان الطيف الإنساني. داخل المقهى تجد الفيشاوي الكبير ينظر إليك ويرحب بك من خلال صورة ضخمة وضعت في إطار يحكي تاريخه الشخصي وعمارة المقهى وهو يمتطي جواداً يختال به فخرا.

يومئ الفيشاوي إلى ناظره بالنظر في مرآة عتيقة تأخذ جانباً كبيراً من المقهى أبدع صانعها في تزيينها بالارابيسك النادر، تشد الناظر إليها يتأملها من جوانبها الأربعة وكل جانب منها له عبق كلاسيكي مميز تعكس شكلاً آخر لمرآة أخرى وضعت في آخر الممر توهم الجميع أن هناك ممراً آخر حتى تصطدم بها فتتوقف لتتأملها، عبارة عن أثر تاريخي يندر وجوده رائع في تصميمه.

مقهى الفيشاوي أحد أهم المزارات السياحية في منطقة الحسين، داخل هذا المتحف العريق يشدك الانتباه إلى غرفة صغيرة أشبه بمتحف اعتاد الجلوس بها الأديب نجيب محفوظ والعندليب عبدالحليم حافظ، تحوي بداخلها مرآة ثالثة فريدة وساعة حائط كبيرة يرجع تاريخها إلى العصر التركي، ويوجد أيضاً راديو أثرى قديم جداً، نجفة فخمة يرجع تاريخها إلى عام 1800، أعلى سقف الغرفة تشهد الإثارة الكلاسيكية والثقافية، قناديل تفنن الصانع في إبداعها أضفت مزيداً من الرهبة والإحساس الرفيع بالأصالة في الصنع والجمال في الرؤية.

تم افتتاح هذا المقهى منذ أكثر من 230 عاماً وبالتحديد في عام 1772م في عهد محمد أبو الدهب في عصر المماليك قام بتأسيسه الفيشاوي الكبير على مساحة كبيرة تقلصت لتصل إلى خمس المساحة التي يشغلها المقهى الآن.

يقول الفيشاوي الصغير امتداد هذه إن المقهى يحمل في جوانبه أسرار كل من ارتاده من عباقرة الفن والأدب والسينما أمثال نجيب محفوظ ويوسف ادريس وعبدالحليم حافظ، وبيرم التونسي وصلاح جاهين، وصلاح عبدالصبور، الذين كانوا كثيري الحرص في التردد على هذا المكان، إضافة إلى أهل الفن والسياسية مثل سعد زغلول وأم كلثوم وكذلك عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية.

وأضاف أن هذا المكان يشهد بأصالة وعراقه التراث المصري الفريد، وله أهمية تاريخية سواء لرواد المقهى أو لأسرة الفيشاوي ونحن نحرص على هذا المقهى الأثري ولا نرغب في تطويره أو إضافة أي لمسات جمالية إليه حتى لا يفقد قيمته الأثرية وتميزه التاريخي.

ويرفض الفيشاوي الصغير إدخال تلفزيون أو دش أو حتى صالة للبلياردو، بدعوى أن لها أماكنها الخاصة بها وأن وجودها سوف يجلب الكثير من العامة الذين يفتقدون إلى الرؤية الجمالية لهذا المقهى. وعن المقهى قديماً وحديثاً يقول: أن رواد المقهى حالياً اختلفوا كثيراً عن الماضي وأصبح توافدهم من أجل قضاء أوقات مسلية إضافة إلى أن البعض يأتي ليستعيد ذكرياته الجميلة ويعيش معها بنفسه، فقد اختلفت الأحاديث عن السياسية وقضايا البلد. كل شيء أصبح مختلفاً وله شكل مغاير للماضي.

وعن رواد المقهى من المثقفين والفنانين والأدباء وهجرهم لهذا المقهى يقول: أصبح المكان يضج بالباعة التي انتشرت في كل مكان، وكذلك المحلات التي كثرت في كل أرض من أراضي الحسين لذلك لم يعد المقهى مكاناً مناسباً للمثقفين والسياسيين فهجروه بلا عودة. وعن الخدمات التي يقدمها المقهى يقول الفيشاوي: إن المقهى يتميز عن غيره في تقديمه للمشروبات فنحن هنا نعتني بصحة المترددين ونقوم بغسل الأكواب التي نقدم بها المشروبات بماء مغلي حتى يقضى على الميكروبات التي قد توجد بها، ونقدم مشروبات صحية مثل الشاي الأخضر والكركديه بأرخص الأسعار حتى نحافظ على رواد المقهى ونحافظ على الاسم وتاريخه الطويل.

وبعد أن فقد المقهى رواده من طبقة السياسيين والمثقفين ظل هناك بعض من فئات المجتمع تتردد عليه إضافة إلى السياح الذين تشدهم مثل هذه الآثار القديمة، ويقول اسعد ثابت المحامي أنني أحضر إلى هنا عندما احتاج الجلوس مع نفسي والتفكير في أشياء تتطلب قرارات هامة، فدائماً ما يغمرني إحساس بالهدوء والطمأنينة وأنا أجلس في الفيشاوي مما يساعدني على التفكير الجيد.

المهندس هشام الجعراني أحد مواطني الإسكندرية أكد حبة الشديد للأديب نجيب محفوظ وأنه السبب في تردده على هذا المقهى ويقول: إنه عندما يحضر يشعر بإلهام كبير كالذي كان يهبط على نجيب محفوظ لذلك عندما احضر إلى القاهرة لابد لي من زيارة هذا المقهى الذي يميزه رواده من الناس إضافة إلى رائحة هذا المكان التي لا أجدها في غيره، إن القاهرة بكل مزاراتها السياحية والتاريخية لا يوجد بها سوى مقهى الفيشاوي.

أحمد علي عبدالحميد مدير شركة للاستيراد والتصدير يؤكد أن تواجده بالقاهرة لا يكتمل إلا بزيارة منطقة الحسين، وخاصة مقهى الفيشاوي وقال إنه أحياناً يكون في حاجة للراحة النفسية التي لا يجدها إلا بهذا المقهى المتميز ويشاركه في ذلك المخرج العراقي حامد صالح ويقول إنه يحضر للفيشاوي لأنه من عشاق العندليب الأسمر، ويأتي ويجلس في المكان الذي كان يجلس فيه.

ويضيف «صالح» إنه يشعر بأنفاس رواده القدامى عندما يحضر إليه. بشار الجابي «سوري الجنسية» ويشغل وكيل المؤسسة العربية للإعلان أكد أنه حضر إلى زيارة هذا المقهى بعدما سمع عنه بامتياز أصالته وروعة تصميمه وعراقته وأنه شاهد أجمل من ذلك بكثير سواء في تحف المقهى الأثرية والإحساس بعبق التاريخ الذي يتميز به المكان، ووصف سعادته بهذا العبق التاريخي والجو التركي المملوكي بأنها دعوة من أجل عودة الماضي للذاكرة.

ويرى محمود سيد خليل «صحافي» أن الجلوس بمقهى الفيشاوي يعود به إلى عصر الثلاثينات والأربعينات الذي نحتاج إليه، فالمكان له طعمه الذي يميزه فعندما حضرت إليه في أول زيارة له أحسست بانتمائي لهذا المكان من قديم الزمان وعندما أجلس به يأخذني إلى دنيا الأصالة والتاريخ والحضارة.

(خدمة وكالة الصحافة العربية)

القاهرة ـ «البيان»: