تفرض التقاليد الاجتماعية الصارمة في موريتانيا على المرأة عدم البوح بمشاعرها العاطفية، أو التعبير بأي شكل من الأشكال علنا عن ما يختلج صدرها من رغبات وأحاسيس تجاه الجنس الآخر، لكن المرأة الموريتانية استطاعت أن تفتح لنفسها ثغرة في الجدار السميك العادات والتقاليد مما سمح لها بإبداع فن «أدبي» أطلقت عليه «التبراع» تحكي فيه بأسلوب عاطفي مؤثر ما تعانيه من آلام .

وما تشعر به من أحاسيس اتجاه من تحب، لكن هذا الفن الأدبي كثيرا ما يظل حبيس الأضلع ولا تستطيع المرأة البوح به إلا لأقرب صديقاتها خاصة عندما يسدل الليل أستاره فيتوجهن سرا إلى كثيب رملي خارج الحي، فتغني كل واحدة منهن بما جادت به قريحتها الأدبية من أشعار غزلية.

والطريف أن المجتمع يتداول تلك الأشعار دون ان يعرف صاحبتها أو الشخص الذي تعنيه.

ويرى الدكتور محمد احمد ولد عبد الحي أستاذ بجامعة نواكشوط أن «التبراع» هو لون أدبي خاص بالمرأة لا يقرض فيه الشعر غير النساء، وهي من كلمة «برع» بمعنى تفوق وامتاز، ويتألف من شطرين لهما قافية واحدة، يتداول في الخفاء، وعلى الشفاه دون أن يرقى لدرجة المكتوب.

وترى الكاتبة والصحفية الموريتانية ينصرها بنت محمد محمود أن «التبراع» هو الوسيلة الوحيدة التي تستخدمها الفتيات للتعبير عن مشاعر الحب التي يمنعهن المجتمع من البوح بها علنا، فيتم التعبير عنها بهذا اللون من الشعر.

عندما ينفردن وحدهن على كثيب، بعيدا عن مسامع الوشاة، فيأتمن بعضهن البعض على هذا الشعر العفوي البعيد عن الصنعة والتمحيص، والذي يحظر نشره نهائيا، لهذا فان التبراع قلما تتم نسبته تماما لقائلة معروفة، وان كان هناك «براعات» معروفة.

وتضيف بنت محمد محمود: حالت بعض الحواجز دون أن يكون للتبراع شأن كبير، منها أن النص في التبراع لا يتجاوز الشطرين، لكن هذين الشطرين يؤديان غالبا معنى رائعا وعميقا في كلمات قليلة، وقد تلخص تبريعة قصيرة قصة كاملة أو رواية طويلة مثل ما هو الحال في قول إحدى الفتيات:

أنا وأديانا

فوضنا الأمر لمولانا

وأديانا هذه هي إحدى بطلات المسلسل المكسيكي المدبلج، «رهينة الماضي» كانت تحب بطل المسلسل آلفريدو بينما كان هو مشغولا بحب البطلة كوادالوبي، فحصل أن صارحها بحبه لاكوادلوبي فتحول أمل أديانا إلى يأس من البطل، وتشبه الفتاة قصتها بقصة أديانا، فقد يئست هي الأخرى ممن كانت تحبه!

ويعتقد الكاتب والشاعر الموريتاني الشيخ ولد سيدي عبد الله أن الموروث الاجتماعي هو الذي أعطى صورة دونية عن المرأة بوصفها كائنا يحتاج للرعاية والحماية والحراسة خوفا عليها حتى من نفسها، ولهذا نجد نوعا من القسرية والتزمت في كل ما يتعلق بالمرأة من تصرفات وأقوال فالرجل يمكنه أن يعبر عن عشقه وغرامه أمام الملا فيما يعتبر ذلك عيبا وحراما على المرأة!

بل إنه يشكل وصمة عار في جبين أسرتها ومحيطها الاجتماعي، ومن اجل ذلك اضطرت المرأة للتعبير عن حالات ذات صبغة حميمية بصورة سرية والحديث وراء الستار وسيلة للترويح عن حالة المرأة الغرامية ومن هنا ولد فن «التبراع» الذي يشكل غرضا شعريا أنتجته المرأة الموريتانية لتعبر من خلاله عن مدى حرمانها وترسم فيه قصة غرامها الفاشلة أو تلك التي نجحت في فترة ما.

ويضيف ولد سيدي عبد الله: قد يكون أصل كلمة (التبراع) تحريفا لكلمة (الترباع) وهو ما يشي بعلاقة تاريخية بين اسم هذا الغرض الشعري في موريتانيا واسمه في باقي بلدان المنطقة(المغرب مثلا)، حيث يسمى (الرباعيات).

أما الاحتمال الآخر فهو أنه قد يكون تحريفا لهجيا لكلمة (التبرع) الفصيحة، ذلك أن المتبرع يتوخى فيه عدم ذكر اسمه فيكون عطاءه (تبرعا) لا يريد من أحد جزاء ولا شكورا عليه.

والحال نفسه مع «التبراع» الذي يتميز بأن صاحبته مجهولة وهي تتبرع على الحبيب (بكاف) وهو بيت شعري من الادب الشعبي يخلد حبها له، ولذا فإن تبرعها ليس حبا في عطاء أو شهرة،وإنما هو ترويح عن قلب مكلوم ونفس معذبة.

نواكشوط ـ بشير ولد ببانه: