البكاء تعبير عن حاجة يلجأ إليها الإنسان بطبيعته، عندما تكتنفه صعوبات الحياة وآلامها، فلا يملك إزاءها حولا أو قوة تعينه على الفرار منها خصوصا في اللحظات الحرجة، فيتنفس عبر البكاء، أو عندما يفاجأ بفقدان حبيب أو خسارة مادية أو معنوية جسيمة، فيختل توازنه النفسي فيندفع تلقائيا وبلا شعور إلى التخلص من همومه والصدمات النفسية بالبكاء.

فوائد كثيرة للبكاء منها الصحية والنفسية وهو وسيلة للندم والتوبة، كما أنه يوقظ الضمير وينبه الوجدان ويعالج قسوة القلب، وهناك دوافع متعددة للبكاء، فقد يبكي الإنسان عندما يفاجأ بخبر مفرح لم يتوقع حدوثه على الإطلاق كأن يفوز بجائزة يانصيب كبرى أو يرى قريبا كان اختفى منذ سنوات طويلة، وقد يكون البكاء رياء أو شكراً أو فزعاً.

ولا يختلف اثنان على أن البكاء في مختلف الثقافات يعتبر حكراً على النساء ومحرم على الرجال، فهو مرادف للجبن والضعف بالنسبة للرجال، ولا تقبل المرأة الرجل البكاء بل تريده صلبا يتمالك نفسه في معظم المواقف الصعبة، وإذا بكى فإنه يشبه بالنساء وهو في كيانه مقهور ويتسم موقفه بالعار.

ولا يخفى على أي عربي قرأ تاريخ الأندلس كيف خاطبت أم عبدالله الصغير أبنها آخر سلاطين بني الأحمر «بني نصر» في الأندلس قائلة: «أبك كالنساء ملكاً لم تصنه كالرجال».

وبقيت هذه العبارة تتكرر على الألسنة لتنعت كل إنسان على شاكلة عبدالله الصغير، وصارت عبارة تشبه المسبة لشخص خان الأمانة ولم يحافظ على ملك عظيم خلفه له الأجداد مثل ملك الأندلس.

ولقد قال بعض المفكرين أنه بينما سمة المرأة البكاء في مواقف كثيرة فإن الرجل في المقابل يتسم بكثرة الكذب حتى أن الأمثلة قالت ان الكذب هو ملح الرجال، ويشير آخرون أن البكاء يمنحنا الفرصة لفهم أنفسنا جيداً .

وهو يكشف الكثير من الحقائق حول الطبيعة البشرية والاختلاف بين المرأة والرجل في كثير من النواحي. والحقيقة التي يصعب إخفاؤها أن النساء موهوبات في فن البكاء وهن يستخدمنه في التخلص من الإجهاد النفسي للابتزاز العاطفي أحيانا.

وحتى وقت قريب كان الأطفال في إنجلترا يدربون على الإحجام عن البكاء أمام عامة الناس، وكان الإسبرطيون والرومان والاسكتلنديون من العيب عليهم البكاء مهما كان حجم الفجيعة.

وبالتأكيد فإن بكاء الرجل في بعض المواقف لا يعني أنه ضعيف أو منهار، أو أنه مخلوق ممنوع عليه البكاء في أي ظرف بينما المرأة قادرة على البكاء متى شاءت.

هاهي الأمور تتغير في عالمنا الحديث، فاللاعب العظيم مايكل جوردن يبكي ليس حزناً على هدف فقده بل من شدة الفرح لفوز فريقه ببطولة الولايات المتحدة لكرة السلة، بالمقابل فإن أحد اللاعبين في الفريق الخصم يبكي بمرارة بسبب الخسارة.

والطريف أن جمهور الملاعب الرياضية لم يعد يستهجن قيام أحد اللاعبين المشهورين بالبكاء عقب كل مباراة سواء كان ذلك فرحاً لفوز أو حزناً لخسارة.

وفي كتابه «البكاء» يحاول المؤلف طوماس لوتز الجمع بين علم النفس والانثروبولوجيا والسينما باعتبارها وسائل إعلامية وانضباطية مختلفة، ويقول إن البكاء هو سمة إنسانية ليس لها علاقة بالرجولة أو الأنوثة ويضيف:

«البكاء هو سمة بشرية عالمية»، أي أن كل البشر يبكون في وقت من الأوقات. وخلال فترات التاريخ وفي كل الثقافات تسكب الدموع من قبل أي كان، وفي أي مكان لابد للإنسان أن يبكي.

ويتحدث لوتز عن طقوس البكاء بالنسبة للثقافات في كل أنحاء العالم ويلاحظ أن النساء يبكين في جنازات الهوبي في مدغشقر، كما أن شعب بارا هناك يستخدمون أكواخاً مختلفة لبكاء النساء والرجال كل على حدة.

ولاحظ أيضاً أن شعب كوجي الكولومبي يسمح لأطفاله بالبكاء لفترات طويلة ودون توقف. ويرى أيضاً أن قضية الانفعالات العاطفية هي الأكثر تعقيداً دائماً وليست كما تبدو في الظاهر، والسبب أن قواعدها وحدودها هي للأبد في حالة تبدل وتغير مستمران.

وتراث النحيب يخضع للتغير أيضاً من فترة لأخرى، وكتب لوتز عن سكان جزر سولومون (سليمان) في المحيط الهادي أنهم الذين يزرفون الدموع بجوار نعش الميت وبعد ذلك يعودون للمرح والمزاح. ويرى من خلال دراساته المختلفة لعادات الشعوب أن البكاء ليس اصطناعياً فقط بل هو يصل إلى حد التفاهة وعدم القيمة لدى بعض الشعوب.

ويؤكد انه في تراث بعض الشعوب لا يعدو كونه تقليدا وليس له علاقة بالعواطف الإنسانية العميقة، ويعتقد أنه من الواضح ان التراث الشعبي وتقاليد البكاء هي التي تحدد متى تزرف الدموع، والحقيقة الأخرى هي أن البكاء هي لغة عالمية تشمل كل الشعوب والأمم فليست هناك شعوب تبكي وأخرى لا تبكي.

* لماذا تبكي المرأة

سأل طفل صغير والدته «لماذا تبكين يا أمي»؟ فأجابت «لأنني امرأة»، فقال لها، ولكنني لا أفهم ما تعنين يا أمي واكتفت والدته باحتضانه.

سأل طفل آخر والده «لماذا يبدو أن والدتي تبكي دون أي سبب؟» «فأجاب الأب» جميع النساء يبكين دون سبب». وفي النهاية اضطر الغلام لاستشارة رجل حكيم «أيها الحكيم لماذا تبكي النساء بتلك السهولة؟».

فأجاب الحكيم: عندما خلق الله المرأة منحها سمات خاصة جداً. لقد جعل الله كتفيها قويتين حتى تقدر على تحمل ثقل مشاكل العالم، لكنها في الوقت ذاته تتمتع باللطف الذي يجعلها قادرة على زرع الهناء والسعادة في هذا العالم.

لقد منحها الله الشدة وأعطاها القدرة على مواصلة الطريق في حين أن الكثير من الرجال ييأسون ويتخاذلون أمام أية مشكلات تلوح لهم، وهي تعتني بأفراد الأسرة في مرضهم ومتاعبهم دون أن تتذمر أو تخشى من العدوى.

لقد منحها الله الشعور المرهف لحب أطفالها في كل الظروف حتى وان سبب لها أطفالها الألم والعناء، وبعد آلام الولادة تراها تحتضن وليدها الذي سبب لها كل الألم الذي لم تتخيل يوما أن تمر به.

لقد منح الله المرأة القوة لتتحمل زوجها رغم كل أخطائه واقتطعها من أضلاعه حتى توفر الحماية لقلبه. لقد منحها الله الحكمة.. حكمة المعرفة كي تعلم بصورة راسخة أن الزوج خلق غطاء لها كما خلقت هي غطاء له، ولكن الله أحيانا يختبر مقدرتها وعزيمتها على الصمود أمام أخطاء زوجها.

وأخيرا منحها الله الدمعة كي تزرفها. وهي دمعة خاصتها تستخدمها في أية لحظة احتاجت إليها.

وقال الحكيم: «يا بني، إن جمال المرأة ليس في ثيابها التي ترتديها وفي شكلها أو هيئة جسمها أو الطريقة التي تسرح بها شعرها، إن جمال المرأة ينبغي أن يرى في عينيها لأن عينيها هما بوابة قلبها وهو المكان الذي يستقر فيه الحب».

محمد نبيل سبرطلي