إدريس طفل بنغالي لم يتجاوز السابعة من عمره يتجول في أحد أسواق عجمان مخاطباً المتسوقين ومردداً كلمة «مسكين» وهي واحدة من كلمات عربية قليلة يعرفها وهو يمارس التسول على مرأى ومسمع من الباعة والمتسوقين الذين يجودون على طفولته بالدراهم من دون ان يدركوا المخاطر التي تنتظره في السنوات المقبلة.
وقد حاولنا التحدث معه ومع طفلين آخرين هما عبدالعزيز وحسن يمارسون التسول في السوق ذاته، لكنهم لم يجيبوا بشيء سوى أنهم أصحاب وليسوا أخوة وإن إدريس يعيش مع والدته حيث سافر والده إلى بنغلاديش ولم يعد.
وظاهرة التسول ليست جديدة أو مقتصرة على مجتمع دون آخر فهي موجودة في كل أرجاء العالم، ووجود أطفال يمارسون التسول في الإمارات حالات قليلة وتعالج بشكل سريع بعد دراسة حالة الطفل وايجاد الطريقة المناسبة لحل مشكلاته ولمنع تسوله في الشوارع والأسواق.
وتسول الأطفال له تبعات نفسية واجتماعية جسيمة عليهم يتحدث عنها الدكتور علي الحرجان ـ طبيب نفسي ـ قائلاً «الأطفال من أكثر الفئات الاجتماعية تعرضا للاخطار والمشكلات واذا ما تركوا للشارع يعيشون فيه فقد تتجاوز تلك المخاطر حدود التسول والأمراض وسوء التغذية الى الدخول في عالم الجريمة واستغلال المجرمين لهم.
واستخدامهم في ترويج المخدرات وممارسة العنف والتخريب مما يطبع الطفل بصفات الشغب والعناد والتهور وضعف المباديء والتخلي عن القيم، وضعف الانتماء للمجتمع الأمر الذي يسهل استخدامهم لأغراض معادية للوطن، إضافة إلى وجود أزمة هوية تتصف بالشعور بالظلم والرغبة في الخروج على المجتمع وحب امتلاك الثروة والتشتت العاطفي.
وتلعب المؤسسات الخيرية دوراً كبيراً في مساعدة المحتاجين والأيتام للحد من ظاهرة التسول خاصة وأن تلك المؤسسات تحظى بدعم المسؤولين والميسورين من أبناء الدولة، ويلجأ اليها المحتاجون أو من يمرون بظروف مادية صعبة.
ويطالب عبدالكريم محمد مدير عام رعاية الطفولة والأيتام في هيئة الأعمال الخيرية، بالسيطرة على تلك الظاهرة، ويحذر من إعطاء الطفل المتسول المال لأنه قد يستخدمه في شراء السجائر أو بعض المواد الخطرة على عمره بسبب عدم وعيه، كما أنه عندما يجد المال بسهولة حين طلبه من الناس وقد يمتهن التسول مدى الحياة.
وعن دور هيئة الأعمال الخيرية في مكافحة التسول يقول: لدينا أسر مسجلة تحصل على مساعدات شهرية بعد دراسة كل حالة منفردة ومعرفة جميع ظروفها.
إضافة إلى كفالة الأيتام، ولسنا الوحيدين في هذا المجال إذ توجد مؤسسات إنسانية وخيرية تعمل بإخلاص في هذا المجال وميزة الجمعيات الخيرية عموماً أنها تعمل دراسة حالة لتحديد مصداقية الأشخاص الذين يطلبون المساعدة من الجمعيات.
وتقدم المساعدات للمحتاجين بعدة أشكال، ونفتح أبواب الجمعية للأطفال لمساعدتهم أو كفالتهم حين تثبت حاجتهم وعدم قدرة ذويهم على إعالتهم.
ويرى المقدم عبدالعزيز الشامسي مدير مركز شرطة الحميدية بعجمان أنه بالرغم من الجهود المبذولة إلا أنه لا يمكن القول بأنه تم القضاء على هذه الظاهرة ولكنه تم الحد منها بدرجة كبيرة وأن الخطورة تتزايد إذا كان المتسولون من الأطفال والأحداث، وتشير الإحصائيات أن 99% من الأطفال الذين يتم ضبطهم من الجنسيات الوافدة .
وأن كثيراً من الحالات يظهر فيها المتسول بزي الإمارات وهو من جنسية أخرى مما يسيء إلى الدولة وإلى أفرادها ويعكس صورة سالبة، وفي الحقيقة دولة الإمارات ومجتمعها براء منها.
ويوضح المقدم الشامسي الجهود المبذولة بأنه تم رصد بعض حالات التسول في الأسواق والمراكز التجارية وأمام المساجد في المناطق السكنية، وأنه يتم التعامل معها وفق ما جاءت به المادة الثانية من القانون رقم 15 لسنة 1975 .
والتي تعتبر التسول جريمة يعاقب عليها القانون بالحبس لمدة شهرين وبغرامة لا تتجاوز خمسمئة درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، وإن كان المتسول وافداً جاز للمحكمة إن تأمر بإبعاده عن البلاد، وحرصاً من المشرع على مكافحة هذه الظاهرة بين الأحداث فقد أعتبر الحدث مشرداً إذا وجد متسولاً.
ويذكر الشامسي الإجراءات الشرطية التي يتم اتباعها عند ضبط مثل هذه الحالات بأنه: يتم ضبط الأحداث واستدعاء أولياء أمورهم.
فإن كان قد قدموا إلى الدولة عن طريق تأشيرة زيارة فتتخذ في مواجهتهم إجراءات الإبعاد بالتنسيق مع المؤسسات الخيرية العاملة بالدولة والهيئات الدبلوماسية والقنصلية التي تمثلهم، إما إن كانوا مقيمين فيتعهد أولياء أمورهم بعدم التكرار اذا ثبتت حاجتهم إلى المال والتنبيه عليهم بمراجعة الجمعيات والمؤسسات الخيرية.
وفي حالة التكرار للمرة الثانية تتخذ نحوهم الإجراءات القانونية بإحالة ولي الأمر الى النيابة العامة وإيداع الأطفال دار الأحداث، وبالتالي للمحكمة الحق في إنفاذ العقوبة المحددة أو إبعادهم عن الدولة. وعن سبل مكافحة هذه الظاهرة يتم تكثيف الدوريات في الأماكن التي يتصور تواجد المتسولين فيها خاصة الأسواق والمراكز التجارية.
بالإضافة إلى التوعية الأمنية بمختلف صورها للجمهور لبيان خطورة التسول وآثاره السلبية على المجتمع وكيفية مواجهته، وتحذير الجمهور من التعامل مع المتسولين والإبلاغ عنهم، كما ان هناك تنسيقاً مع مركز الدعم الاجتماعي بوزارة الداخلية ومع الجمعيات والمؤسسات الخيرية بالإمارة خاصة في الحالات الإنسانية الطارئة.
تحقيق ـ دلال جويد: