لا ينشر الناس، في دبي، غسيلهم المتّسخ على الشرفات. لكنّهم لا ينشرون أيضا الغسيل النظيف. كما أنه لا شرفات غالبا للمنازل والأبراج التي تشهق يوما بعد آخر بمعدلات قياسية، وخاصة في الجزء الحديث من المدينة. وإذا سألت متاجر التجزئة الكبرى عن لائحة اكثر البضائع مبيعا، فسيكون من بينها بالتأكيد «منشر الغسيل» الصغير، الذي يفتح ويضبّ بسهولة وبالإمكان إيجاد مكان له في البيت، قرب نافذة غرفة النوم غالبا، او حتى في.. الصالون!
وتضع البلدية قوانين صارمة تجبر السكان على تدبّر أمر غسيلهم من دون أن يلحقوا تشويها بالمنظر العام للمباني. والمنظر العام، أي صورة دبي أو «الايميج»، وهي اللفظة الأكثر شيوعا في المدينة بعد «مرحبا»، هي من الأوليات التي يحسب لها أهمية قصوى في المدينة التي يقدر لها أن تجتذب 12 مليون سائح سنويا ابتداء من سنة 2010.
إنها مدينة التسويق، بامتياز، وعلى كل شيء فيها أن يبدو مرتبا ونظيفا ويخدم هدفه ويفيد الدورة الاقتصادية النشطة بمعدلات تجعل العين «تزوغ» لشدة دورانها. كيف تفيد فانيلة منشورة على حبل غسيل الدورة الاقتصادية في دبي؟ بالتأكيد، فلا فائدة من الأمر.
لكن، ليست كل شوارع دبي شارع الشيخ زايد، وليست كل مبانيها أبراج الجميرا، وبالطبع ليس كل سكانها من أولئك المقتدرين اقتصاديا، ممن يسكنون في شقق فخمة ومرتبة تتسع لتلفاز بلازما وستيريو ديجيتال ومنشر غسيل أبيض صغير، داخلي ومهذّب، فهناك جموع هائلة من العمال الكادحين ممن ينشرون خرقهم على حواف النوافذ أو حواف صناديق المكيّفات أو حتى الدراجات المركونة على الرصيف.
في مقابل ذلك، ثمة ظاهرة طريفة لا تنفك تنتشر في دبي هذه الأيام. ففي الوقت الذي توضع فيه القوانين الرادعة لنشر الغسيل علنا، وتشن الحملات التي تعاقب المخالفين، انتشرت موضة استخدام حبال الغسيل في واجهات محلات بيع الملابس وحتى المطاعم. فقد اختار أحد المطاعم الايطالية في مركز «المارينا ووك» أن يستلهم ديكوره الداخلي من شرفات البيوت القديمة، فمدّ حبال الغسيل في المطعم وثبّت عليها الملاقط الخشبية التي من تحتها سراويل وقمصان وسلاسل وزهور.
كذلك، يعتمد أكثر من محل لبيع الملابس في مركز «سيتي سنتر» التجاري على الفكرة ذاتها، ولا تخلو واجهات تلك المحال من الحبال العريضة والملاقط الخشبية، وبعضها استخدم طرقا أكثر ابتكارا فاستخدم علاقات الخزائن أيضا وجعلها تدور على الحبال طوال الوقت.
ودبي ليست المدينة الوحيدة التي تتعاطى مع هذا الملف «بجدية»، و«طرافة» أيضا. ففي الوقت الذي يمنع القانون سكان الشقق في نيوزيلندا من تعليق الغسيل في شرفات تطل على شوارع وسط المدينة، فإن مجلس مدينة أوكلاند يشجع تعليق صفوف من الملابس الملونة في الشرفات المطلة على إحدى المناطق الرئيسية في المدينة، راغبا بإعطائها طابع الجنوب أوروبي وجذب المزيد من السوّاح.
ومنذ شهور قليلة، حظرت بلدية نيقوسيا، عاصمة قبرص، على سكانها نشر غسيلهم في الهواء الطلق، في إطار خطة لتجميل المدينة، وثم فرض غرامة على المخالفين تصل إلى 96 دولارا.. وللمدن في غسيلها شؤون!
كتب إبراهيم توتونجي: